في خطة تحمل رؤيتها للمستقبل القريب، تتطلع الشركة الوطنية العامة للنقل البحري في ليبيا نحو بلورة خطة تطوير الأسطول 20-23 بعد اقتنائها 5 سفن مؤخرا، معلنة عن أهداف تتضمن تشبيب عمر الأسطول ليكون متوسط عمر السفن 3-5 سنوات فقط، والعمل على اقتناء ناقلات غاز مسال بأحجام تتوافق مع متطلبات السوق. في لقاء مع المدير التنفيذي للشركة المهندس خالد التواتي، يشرح لمجلة "ربان السفينة" تفاصيل الرؤية المستقبلية لخطة تطوير الأسطول.
بداية كيف تنظرون الى موقع الشركة الوطنية العامة للنقل البحري على الخارطة البحرية اقليميا وعالميا؟ كيف تلخصون مسيرة عمل الشركة منذ التأسيس الى اليوم؟
لا يمكننا وضع تصنيف محدد لموقعنا كشركة بين الشركات الرائدة إقليميا وعالميا ولكننا متأكدون جدا أننا نعمل بجد من أجل التبوأ مكانة مرموقة بين هذه الشركات، وما يؤكد ذلك هو حجم الأعمال التي نقوم بها من حيث ارتباطنا بكبار العملاء لا سيما أن جميع أسطولنا يلبي ويتوافق مع متطلبات إئتلاف شركات النفط الكبرى والتي بدورها تتحكم بسوق النقل البحري (فيما يتعلق بناقلات النفط الخام) والتي يختص بها إسطولنا حاليا.
أما فيما يتعلق بالجزء الثاني من السؤال فمسيرة الشركة منذ التأسيس مرت بعديد المراحل والمنعطفات التي ربما تحتاج أكثر من لقاء صحفي لسردها ولكن يمكنني اختصارها بأنها تجربة ناجحة بكل المقاييس رغم مرورها بمنعطفات حرجة أدت في مرحلة من المراحل إلى الإفلاس، قبل أن تأخذ الدولة على عاتقها حماية هذه المؤسسة وضخ الأموال فيها لاستعادة مكانتها في السوق المحلية والدولية. بلمحة سريعة عن الشركة، فقد تأسست سنة 1975 برأس مال وقدره 100 مليون دينار ليبي.
وقد أعطى لها قانون إنشائها صلاحيات كاملة بالمشاركة مع الشركات العامة والخاصة في الداخل والخارج، وكذلك وضع سياسات التدريب والتطوير والاستثمار البشري، ومشاركتها في نقل أكبر كمية من صادرات وواردات الدولة الليبية، من خلال تملك، بيع، إيجار واستئجار جميع أنواع السفن والناقلات والقيام بعمليات التصدير والتوريد المتعلقة بأغراضها.
انتهجت الشركة في سابق عهدها تطبيق سياسة الدولة الليبية من حيث الإعتماد عليها لتوفير احتياجات السوق المحلية من البضائع المختلفة، وذلك بنقل واردات الدولة الليبية والشركات العامة والخاصة، مثل شركة السلع التموينية، الشركة العامة للمطاحن والأعلاف، مصنع الحديد والصلب وغيرها. هذه السياسة جعلت الشركة تتحمل أعباء الدولة على عاتقها، الأمر الذي أدى إلى استنزاف طاقة أسطولها ومدخراتها، في ظل شح الإيرادات وإرتفاع المصروفات. وقد أدى ذلك إلى عجز في ميزان المدفوعات وبالتالي عجز الشركة عن تسديد إلتزاماتها تجاه العاملين او حتى توفير مصاريف تشغيل السفن، وبالتالي الوصول لمرحلة الإفلاس والتصفية أواخر عام 2002، قبل أن يتم إعادة هيكلتها أواخر العام 2003، ووضع حزمة من الإجراءات التصحيحية لإعادة النهوض بها مجددا، وهذا ما حصل بالفعل.
فقد تركز نشاط الشركة من تاريخ إعادة هيكلتها في العام 2003 على تشغيل السفن القديمة حيث تقرر الإحتفاظ بـ 7 سفن تعتبر متقادمة، ومن ثم السعي لتطوير الاسطول من خلال اقتناء سفن جديدة من ناقلات النفط ومشتقاته، وقد تمكنت الشركة من اقتناء بعض السفن الجديدة وذلك بعد تمكنها من الاقتراض من المصارف المحلية والدولية وكذلك المؤسسات المالية الليبية مقابل ضمانات عقود التشغيل مع المؤسسة الوطنية للنفط.
وبناء على قرارات اللجنة الشعبية العامة آنذاك (مجلس رئاسة الوزراء) تم خلال عامي 2008، 2009 رفع قيمة رأس المال ليصل إلى 1.2 مليار دينار ليبي، أي ما يقارب من مليار دولار. يمكننا القول أنه من 2006 حتى 2013، وصل عدد سفن أسطول الشركة إلى 25 سفينة من مختلف الأنواع والأحجام.
خلال هذه السنوات مرت الشركة بمراحل نمو سريعة جدا لكن سرعان ما تحول هذا النمو إلى انحدار سريع بسبب أوضاع البلاد منذ 2011 وما لحقها من عوائق وسلسلة من الإضطرابات التي أضرت بالشركة وأعادتها إلى نقطة قاربت أن تعادل ما مرت به في سنة 2002. وبالتالي منذ أن وطأت قدمنا هذه المؤسسة ونحن نعمل على حلحلة المشاكل والعراقيل المتراكمة عن السنوات السابقة قبل أن نتفرغ للمرحلة الأهم وهي النهوض والمنافسة مجددا والسعي لتطوير الأسطول ومن ثم تحقيق الأرباح والأهداف.
كما ذكرت فهي مسيرة من العطاء امتدت لأكثر من 45 عاما لا يمكن سردها سريعا وتحتاج إلى الكثير من التفصيل حتى نعطي كل ذي حق حقه.
تمكنت الشركة خلال فترة وجيزة في 2021 من تحديث ودعم اسطولها مع ضم 3 سفن حديثة الصنع، ومؤخرا في 2022 تم اقتناء ناقلتي نفط خام جديدتين إلى الأسطول. مع ضم هذه السفن الخمسة، ما هي توقعاتك لمستقبل الشركة التوسعي؟
نحن نعمل وفق خطة تطوير للأسطول تم وضع أسسها بدقة وبالتعاون مع مكتب MSI الاستشاري، الذي بدروه قدم دراسة مستفيضة لأوضاع السوق بمختلف أنواع الناقلات. وبالتالي خططنا التوسعية في مجال ناقلات النفط الخام لا زال مستمرا ونسعى لتعزيز مكانتنا بضم هذه السفن الجديدة التي نتوقع ان تشكل نقلة نوعية في نشاط الشركة من حيث تحقيق أعلى معدلات الإيرادات مقابل تخفيض المصروفات مقارنة بالسنوات الماضية، حيث أصبح يشكل عمر بعض السفن عائقا وتحديا مستمرا أمام تحقيق إيرادات تشغيل جيدة تتماشى وخطة الشركة. وبالتالي نأمل أن نحقق الأهداف التي وضعناها سابقا من خلال اقتناء سفن جديدة وبيع السفن المتقادمة التي باتت تشكل عبئا على ميزانية الشركة.
مع تطبيق خطة تطوير الأسطول، والتي تمتد على ثلاث مراحل، تكون الشركة قد حافظت على استمرارية تواجدها بالسوقين المحلية والدولية. إلى أي مدى تساهم هذ الخطة بدعم مكانة الشركة على خارطة النقل البحري وتثبيتها كشركة منافسة في هذا المجال؟
بالفعل وكما أشرت فإن الهدف الأساسي من خطة تطوير الأسطول 20-23 هو الاستمرارية في السوقين المحلية والدولية، والهدف الثاني هو التبوأ بمكانة جيدة بين كبرى شركات العالم، ونراهن في ذلك على عاملين مهمين أولهما الخبرة في مجال تشغيل ناقلات النفط الخام لما نمتلكه من كوادر بشرية فاعلة وفعالة في هذا القطاع، وثانيهما التزامنا التام بتطبيق أعلى معايير الجودة في كل خدماتنا دون الإخلال بأبسط الأمور. نحرص دائما على تطوير أسطولنا وكوادرنا واستيفاء متطلبات المنظمة البحرية الدولية و منظمة OCIMF فيما يخـــص تصاميمنا، معداتنا وتشغيلنا.
نلاحظ أن الشركة تتبع في خطتها تجديد عمر أسطول الشركة وذلك بإحلال السفن المتقادمة بسفن حديثة وأكثر توافقا مع متطلبات السوق، وتنويع النشاط من خلال اقتناء سفن جديدة. ما أهمية تعزيز قدرات السفن والأسطول في توسع نشاط الشركة ووصولها إلى العالمية؟
لا يمكن لأي شركة او مؤسسة أن تستمر في مجالها من دون وضع خطط تطوير لها تشمل كل جوانبها. نحن نعمل في سوق تشتد فيها المنافسة، وتتعرض للكثير من المتغيرات التي تتطلب المرونة في الإدارة مع الحزم في تنفيذ بعض التوجهات، وبالتالي هذ معادلة صعبة نوعا ما ولكنها تصبح سهلة إذا ما تمكنت من امتلاك أدواتك جيدا والتي يمكن تلخيصها في ثلاث أطراف: الكادر البشري - السفينة – العملاء.
طريقة إدارة الأعمال مع كل طرف على حدى للوصول إلى هدف مشترك هو الأساس لنجاح الشركة او العامل الخفي الذي يساهم في الرفع من مكانة هذه الشركة. فثقة العميل لا يمكن أن تتأتى إلا بتحقيق العنصرين الأولين: الكادر البشري الذي يمكنه تلبية رغبة العميل في الحفاظ على توصيل الشحنات في مواعيدها والعمل بحرفية تامة، وأيضا سفن حديثة تعمل بأحدث الأنظمة ودون أي مشاكل فنية تساعد الطاقم الذي يعمل عليها في تنفيذ مهامه على أكمل وجه، وبالتالي تحقيق شعارنا "الثقة الكاملة والجودة العالية والسلامة أساسيات نجاحنا."
كيف يتم التعامل مع التحديات التي تواجه النقل البحري من أنواع الوقود والحد من الإنبعاثات وتركيب الأنظمة المختلفة من أجهزة مياه التوازن وأجهزة تنقية الغاز؟ ما هي خطط تعزيز الإستدامة التي تتبعها الشركة؟
لطالما كان ولا زال على سلم أولويتنا الإلتزام التام بتطبيق أعلى معايير الجودة في كل خدماتنا، حيث وضعنا من خلال خطة تطوير أسطولنا أن تكون كل سفننا مستوفية لأحدث متطلبات المنظمة البحرية الدولية فيما يتعلق بسلامة البيئة مثل الحد من الإنبعاثات وتركيب الأنظمة المختلفة من أجهزة مياه التوازن وأجهزة تنقية الغاز. وبالفعل، كل السفن الجديدة التي تم اقتنائها تلبي هذه المتطلبات، إضافة إلى وضع خطة لبقية أسطولنا حيث تم جدولة تركيب هذه المنظومات على عدد من السفن في تركيبها. تجدر الإشارة هنا إلى أنه تم الإنتهاء من تركيب المنظومات على سفن معيتيقة – قرطاجنة وغيرهما، إضافة إلى السفن الجديدة: ابن حوقل – فزان – انوار بنغازي – انوار طرابلس والناقلة غات.
يعتبر حصول الشركة مؤخرا على شهادتي ISO لنظام إدارة الجودة ونظام الإدارة البيئية نقطة إنطلاق جديدة نحو مؤسسة تطمح إلى النجاح في إدارة أسطولها والمنافسة بين كبرى شركات العالم. ماذا يمكن إطلاعنا فيما يخص هذا الأمر؟
كما ذكرنا سابقا لا يمكن تطوير الأسطول فقط دون الالتزام بتطوير الإدارة التي تدير هذا الأسطول وبالتالي كانت هذه الخطوة مهمة بالنسبة لنا. فقد تمكننا خلالها من وضع برنامج عمل للرفع من كفاءتنا، وكان لنا ذلك، حيث تمكنت الإدارة من النجاح في الحصول على شهادة إدارة نظام الجودة ISO9001:2014 ، وكذلك شهادة نظام الإدارة البيئية ISO14001:2014.
الإمثال والحصول على هاتين الشهادتين يعزز ثقة زبائننا في شركتنا، ويساعدنا بشكل فعال في إدارة أعمالنا بشكل أمن وفعال، والأهم من ذلك أنه يلبي تطلعاتنا كإدارة تنفيذية تسعى لتطوير كادرها البشري والرفع من جهوزيته ليكون على قدر عال من المهنية والحرفية في أداء مهامه.
ما أهم المشاريع التي تخطط لها الشركة الوطنية العامة للنقل البحري في ليبيا للتنفيذ في المستقبل القريب؟
فيما يخص الخطط التطويرية، فقد شكلنا فرق عمل استشارية وتنفيذية لبلورة خطة تطوير الأسطول 20-23 والتي تحمل رؤيتنا وتطلعاتنا للمستقبل القريب. وبالتالي لن تتوقف مشاريعنا باقتناء 5 سفن فقط بل نحن مستمرون في عدة أهداف أبرزها تشبيب عمر الأسطول والسعي لأن يكون متوسط عمر أسطولنا 3-5 سنوات فقط، والعمل على اقتناء ناقلات غاز مسال بحجميات تتوافق والسوق الذي نرى أنها تتوافق وإمكانيتنا.
كما نعمل على دراسة التوسع وإمكانية تشغيل سفن النقل التجاري سواء بالإقتناء أو الإستئجار وهي مرحلة نراها قريبة جدا، إضافة على أننا اعتمدنا التوجه لإقتناء بعض السفن المختصة بأعمال صيانة المنصات البحرية، والتي نرى أنها تحديا كبيرا بالنسبة لنا سيتيح فرص عمل جيدة لبعض الخبرات، لا سيما الوطنية التي يمكنها أن تتجه لهذا النوع من السفن الذي لم نمتلك فيه أي سفينة قبل ذلك.
كيف تقيم التعاون مع الادارات البحرية الحكومية في ليبيا وكيف تساهم الشركة في تطوير هذا المجال؟
بدورنا كشركة رائدة في مجالها في ليبيا، وكونها البيت الأول لجل الخبرات والكفاءات البحرية في ليبيا فنحن نساهم وفقا لإمكانياتنا في ضخ العناصر الشابة لاستلام زمام الأمور في الإدارة أو في البحر من خلال تبني عمليات تدريب الطلبة والخريجين الجدد وفقا لخطة تدريب تعد سنويا. كذلك نعمل وفق جدول زمني محدد على توفير كافة الخدمات والتسهيلات لأطقمنا البحرية من أجل الرفع من كفاءاتهم وقدرتهم بإنضمامهم لدورات التأهيل والتدريب المستمرة، إلى جانب على توفير كل ما يلزم من أجل تجديد وترقية الشهائد البحرية بالتنسيق مع بعض الأكاديميات العربية المعتمدة وذات الكفاءة في هذا الشأن.
أما الشق الأول من السؤال فالتعاون مع بعض الجهات الحكومية في ليبيا هو إلتزام وليس خيار في كثير من الأحيان، سواء عند إتمام بعض الإجراءات أو التنسيق مع سلطة العلم أو وزارة المواصلات بإعتبارها الجهة الحكومية المشرفة والمنظمة للقطاع البحري. يمكننا القول أننا نشق طريقنا اعتمادا على كوادرنا الشابة وخبراتنا الرائدة في هذا المجال.
وفي ظل التحديات التي نواجهها في السوق والمنافسة الشديدة من حيث الطلب والعرض، نتمنى من الجهات الحكومية أن تستوعب خصوصية عملنا في السوق الدولية وإشتراطاته ومتغيراته، وأخص بالذكر وزارتي المواصلات والتعليم، هذا إلى جانب التنسيق والعمل على توفير احتياجات المؤسسات العاملة في هذا المجال.
هل من خطط مستقبلية لشراء أو بناء سفن جديدة؟
كما أشرت سابقا، تم وضع الخطط وفق دراسات سابقة وبعض القرارات قيد التنفيذ، لا يمكننا الإفصاح عن بعضها ولكن يمكننا التأكيد على أن توجهاتنا لن تقتصر على تشغيل ناقلات النفط الخام فقط بل سنتوسع في سفن نقل الغاز المسال – ونقل البضائع ، وأيضا السفن الخاصة بصيانة المنصات البحرية.
كذلك نسعى للعمل مع المؤسسة الوطنية للنفط على إعادة تصدير النفط الليبي بنظام البيع CIF بدلا من نظام FOB المعمول به حاليا من قبل المؤسسة. وبإعتبارنا الشركة الوطنية الوحيدة المملوكة للدولة الليبية العاملة في هذا المجال، فإننا نسعى لأن تكون جل صادرات النفط الليبي تتم عن طريقنا كناقل وطني كما كان معمول به في السابق.
إضافة إلى كل ما ذكرت فإن سد الإحتياجات البشرية والتركيز على العنصر البشري هو ركيزة أساسية بالنسبة لنا لا يمكن تجاهلها سواء في الإيفاد أو التدريب او التطوير.
أخيرا، نشكركم على منحنا هذه المساحة وإلقاء الضوء للتعريف بنشاط الشركة الوطنية العامة للنقل البحري، ونتقدم بجزبل الشكر لكل متابعي مجلة "ربان السفينة" أينما كانوا ونتمنى أن نكون قد قدمنا ما يفيد القارئ.






