إذا سُئل البحّارة أو مديري الطواقم عمّا يشغل النقاشات حالياً، فسيكون الموضوع متكرراً: دورة السلامة الشخصية والمسؤوليات الاجتماعية (PSSR) ضمن الاتفاقية الدولية لمعايير النوبة والتدريب وإصدار الشهادات للبحارة (STCW).
فعلى الورق، تُعتبر هذه الدورة من أكثر عناصر التدريب البحري الأساسية. أما عملياً، فقد أصبحت واحدة من أكثر المتطلبات إثارةً للنقاش، وسوء الفهم، في قطاع النقل البحري.
دورة تركز على السلوك لا على المعدات
عندما يفكر معظم الناس في تدريبات السلامة في البحر، فإنهم يتخيلون تدريبات مكافحة الحرائق أو بدلات النجاة. أما دورة PSSR فتتبنى مقاربة مختلفة؛ إذ تضع الإنسان، وليس المعدات، في صلب منظومة السلامة، لأن السلامة تبدأ من الأفراد.
تُعرّف الدورة البحّارة على طبيعة العمل الفعلية على متن السفن: كيفية تنظيم السفينة، وآلية توزيع المسؤوليات، وكيف يؤثر سلوك كل فرد في السلامة الجماعية. فالسفينة تضم العديد من الأشخاص، لكنها تعمل كطاقم واحد. كما تغطي الدورة التواصل والعمل الجماعي والوعي بالمخاطر والإجراءات، إلى جانب الإرهاق والتوتر والعوامل البشرية التي تقف غالباً وراء الحوادث البحرية.
وببساطة، تجيب دورة PSSR عن سؤال واحد: كيف تتصرف بسلامة على متن السفينة؟ ومع وجود طواقم متعددة الجنسيات، وتسلسل إداري صارم، وظروف عمل شاقة، فإن الإجابة ليست بديهية دائماً، ولهذا السبب وُجدت هذه الدورة أساساً.
كيف أصبحت جزءاً من اتفاقية STCW؟
يستند هذا المتطلب إلى اتفاقية STCW وقبل اعتمادها، كانت معايير التدريب تختلف بشكل كبير من دولة إلى أخرى، ما أدى بطبيعة الحال إلى تفاوت واضح في مستويات السلامة. لذلك، تم إدراج PSSR ضمن برامج التدريب الأساسي على السلامة، لضمان امتلاك جميع البحّارة الحد الأدنى من الفهم للسلوك السالم على متن السفن.
وتأتي هذه الدورة إلى جانب تدريبات مكافحة الحرائق والإسعافات الأولية، لكنها تُعد في كثير من الجوانب الأساس الذي تستند إليه تلك التدريبات؛ إذ إن أقوى الإجراءات قد تنهار عندما يفشل الأفراد في التواصل أو التعاون أو تحمّل المسؤولية.
التحول الذي لا يمكن لقطاع النقل البحري تجاهله: MSC.560(108)
تغيّر هذا الواقع مع اعتماد قرار المنظمة البحرية الدولية رقم MSC.560(108)، الذي دخل حيّز التنفيذ في 1 يناير 2026، وقام بتحديث جدول الكفاءات المقابل ضمن الملحق. وقد يبدو التعديل، للوهلة الأولى، مجرد تحديث تنظيمي روتيني، لكنه في الواقع يمثل تحولاً مهماً في كيفية تعريف القطاع لمفهوم السلامة.
وللمرة الأولى، أصبحت دورة PSSR تشمل بشكل صريح الوقاية من العنف والتحرش والاستجابة لهما، بما في ذلك التنمر والتحرش الجنسي. ولم تعد السلامة في البحر تُعرّف فقط من منظور المخاطر المادية، مثل الحرائق أو التصادمات أو أعطال المعدات، بل أصبحت تشمل أيضاً الأبعاد الاجتماعية والنفسية.
وبذلك، أصبح أسلوب تعامل الأفراد مع بعضهم البعض على متن السفن معترفاً به رسمياً باعتباره جزءاً من منظومة السلامة. فقد تصاعدت المخاوف المرتبطة برفاهية الطواقم والصحة النفسية والثقافة السائدة على متن السفن لسنوات، وجاء القرار MSC.560(108) ليكرّس هذه القضايا ضمن الإطار التنظيمي الرسمي.
من أين يبدأ الالتباس؟
منذ دخول التعديل حيّز التنفيذ، تحولت دورة PSSR من مجرد دورة "لإكمال المتطلبات" إلى عنصر أكثر وضوحاً وتدقيقاً. فقد قامت مراكز التدريب بتحديث محتواها، وبدأت الشركات بمراجعة سياساتها الداخلية، وأصبح المفتشون يولون اهتماماً أكبر بهذا الجانب، فيما بدأ البحّارة أنفسهم بطرح المزيد من الأسئلة.
ومن أكثر ردود الفعل تكراراً بين أفراد الطواقم ذوي الخبرة سؤال مفاده: "أنا أعمل في البحر منذ سنوات، فهل يتوجب عليّ إعادة هذه الدورة؟". وفي معظم الحالات، تكون الإجابة: "لا. فالبحّارة الذين أكملوا دورة PSSR قبل عام 2026 يُعتبرون، بشكل عام، ملتزمين بالمتطلبات، ولا تزال شهاداتهم الحالية سارية المفعول".
لكن الواقع ليس دائماً بهذه البساطة. فدورة PSSR لم تكن تُقدَّم دائماً كبرنامج مستقل؛ إذ تلقى بعض البحّارة تدريباً مكافئاً على متن السفن أو ضمن برامج أوسع، ما أدى إلى تفاوت في التوثيق. كما تختلف آليات التطبيق من دولة علم إلى أخرى. وعندما يجتمع أفراد طواقم تلقوا تدريبات في فترات مختلفة ووفق تفسيرات متباينة، يصبح الالتباس أمراً لا مفر منه.ومع ذلك، يُتوقع من مالكي السفن إبقاء طواقمهم على اطلاع بالتشريعات الجديدة والتحديثات التنظيمية. وغالباً ما يُعد الالتحاق بدورة PSSR محدّثة الطريقة الأكثر عملية لتحقيق ذلك.
السؤال المثير للجدل: ماذا يجب أن تتضمن الشهادة؟
أحد أكثر النقاشات المثير للجدل لا يتعلق بمحتوى دورة PSSR الجديد بحد ذاته، بل بطريقة توثيقه، وتحديداً ما إذا كان ينبغي أن تتضمن الشهادات إشارة صريحة إلى القرار MSC.560(108). ومن الناحية التنظيمية، تبدو الإجابة واضحة: لا يوجد في اتفاقية STCW أي متطلب رسمي يفرض تضمين مثل هذه الإشارة.
فالتعديل يحدّث معايير الكفاءة، لكنه لا يحدد صياغة الشهادات. ومع ذلك، لا يزال هذا السؤال مطروحاً بقوة، لأن القطاع لا يعمل استناداً إلى اللوائح وحدها. كما أن بعض دول العلم قد تفرض بالفعل تضمين هذه الصياغة على الشهادات حتى يتم قبولها عملياً.
لماذا لا يُعتبر التطبيق أمراً بسيطاً؟
لو كانت عملية تفتيش من قبل سلطات رقابة دولة الميناء، حيث يُقدَّم للمفتش شهادة صادرة قبل عام 2026 لا تتضمن أي إشارة إلى المتطلبات المحدّثة، فهل يعني ذلك أن البحّار يمتلك فعلاً الكفاءات الجديدة؟
من الناحية القانونية، قد تبقى الشهادة صالحة بالكامل، إذ إنها استوفت المتطلبات عند إصدارها، كما أن شهادات PSSR لا تحمل تاريخ انتهاء صلاحية بموجب اتفاقية STCW. لكن العديد من دول العلم وشركات النقل البحري أصبحت تتوقع أن ينعكس التدريب المحدّث بوضوح في الوثائق الحالية.
وتطبق معظم دول العلم المتطلبات الجديدة اعتباراً من عام 2026 فصاعداً. إلا أن بعض الدول، مثل بنما على سبيل المثال، تشترط بشكل صريح أن تتضمن شهادة PSSR الموضوعات الجديدة، مع وجود نص واضح يشير إلى ذلك على الشهادة نفسها، وإلا فلن يتم قبولها.
ولهذا السبب، بدأت بعض جهات التدريب بإضافة عبارات توضيحية مثل "وفق التعديلات، بما في ذلك قرار المنظمة البحرية الدولية MSC.560(108)". وليس لأن اتفاقية STCW تفرض ذلك، بل لأن هذه الصياغة تزيل أي شكوك محتملة. فشركات النقل البحري تميل غالباً إلى تبني مبدأ "الحيطة أفضل من المخاطرة"، كما ترغب في التأكد من أن طواقمها تدرك فعلاً التوقعات الجديدة المتعلقة بالسلوك والثقافة على متن السفن.
مرحلة انتقالية
من جهة، هناك الموقف التنظيمي الرسمي الذي يؤكد أن الشهادات الحالية لا تزال صالحة، وأنه لا توجد حاجة لإدراج إشارة محددة إلى قرارMSC.560(108) وهي نقطة أعادت اللجنة الفرعية للسلامة التابعة للمنظمة البحرية الدولية تأكيدها خلال اجتماعها في فبراير 2026.
ومن جهة أخرى، هناك الواقع التشغيلي، حيث ترغب الشركات والمفتشون والعملاء في رؤية دليل واضح على أن التدريب يعكس أحدث المعايير، فيما تواصل بعض دول العلم فرض متطلبات إضافية خاصة بها. ويكمن جزء كبير من الالتباس الحالي في الفجوة بين هذين الجانبين.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
بالنسبة إلى البحّارة، تبقى الرسالة مطمئنة إلى حد كبير: فشهادة PSSR السارية والصادرة قبل عام 2026 تُعتبر عموماً متوافقة مع المتطلبات الحالية. ومع ذلك، قد تتوقع جهات التوظيف أن يكون أفراد الطواقم على دراية بالموضوعات الجديدة التي أدخلها القرار MSC.560(108)، كما تبقى الشركات مسؤولة عن توفير أي تدريب إضافي مطلوب.
وغالباً ما يُعد الالتحاق بالدورة المحدّثة، خصوصاً عبر الإنترنت، الطريقة الأسهل لإنهاء أي حالة من عدم اليقين. وقد اعتمدت دول علم مثل لبنان، ليبيريا وجزر البهاما دورات PSSR الإلكترونية.
أما بالنسبة للوافدين الجدد إلى المهنة، فإن التدريب يتضمن بالفعل المحتوى المحدّث منذ اليوم الأول. ومع ذلك، يبقى من المستحسن، وإن لم يكن إلزامياً رسمياً، أن تتضمن الشهادة إشارة صريحة إلى MSC.560(108)، تجنباً لأي حاجة إلى إعادة التدريب مستقبلاً.
أما بالنسبة للشركات، فيكمن التحدي في تحقيق التوازن بين الامتثال التنظيمي والوضوح العملي، وضمان ألا تكون الطواقم حاصلة على الشهادات فقط، بل أيضاً متوافقة بشكل واضح مع التوقعات الحالية.
تحول أوسع في مفهوم السلامة البحرية
يعكس تطور دورة PSSR تحولاً أوسع في القطاع، حيث لم يعد النظر إلى المخاطر مقتصراً على الجوانب التقنية البحتة، بل أصبح يشمل أيضاً السلوك والثقافة والرفاهية باعتبارها عناصر لا تقل أهمية. فقرار MSC.560(108) لا يقتصر على تحديث دورة تدريبية فحسب، بل يعيد صياغة مفهوم السلامة في البحر بالنسبة لجميع العاملين هناك، من رجال ونساء على حد سواء. وربما لهذا السبب تحديداً انتقلت دورة كانت تعمل بهدوء في الخلفية إلى صدارة النقاشات في قطاع النقل البحري اليوم.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







