ماذا يحدث عندما يتسبب حادث بحري في أضرار تُقدَّر بملايين الدولارات، بينما تبقى مسؤولية مالك السفينة محصورة في جزء بسيط فقط من هذه الخسائر؟
إنّ تحديد المسؤولية البحرية هو مبدأ قانوني يمنح ملّاك السفن وبعض الأطراف الأخرى الحق في تقييد نطاق مسؤوليتهم القانونية.
يهدف هذا المفهوم إلى تشجيع التجارة البحرية والاستثمار فيها، بما يسهم في تعزيز نمو قطاع النقل البحري ويعود بالنفع على المجتمع العالمي.
لكن كيف يتم تحديد هذه المسؤولية، ومن هم الأطراف المستفيدون من هذا التحديد؟
سنشرح هذه القضية في هذا المقال خطوة بخطوة.
لماذا يُطبَّق مبدأ تحديد المسؤولية في النقل البحري؟
يُعدّ النقل البحري نشاطا عالي المخاطر، إذ تشمل الاضطرابات المحتملة الأحوال الجوية، والحروب، والأخطاء البشرية، والكوارث البحرية، والأعطال الميكانيكية، والقرصنة. ولو تحمّل ملّاك السفن المسؤولية الكاملة عن كل خسارة محتملة، لتراجع الحافز على تشغيل السفن بشكل كبير، ولا سيما لدى شركات النقل البحري الصغيرة والمتوسطة.
ولضمان استمرارية التجارة البحرية، توفّر الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية لملّاك السفن وبعض الأطراف الأخرى حماية قانونية تحُدّ من مسؤوليتهم، حتى في حال وقوع الخسائر نتيجة الإهمال، وذلك مع وجود بعض الاستثناءات.
لا يتعلّق الأمر بالتهرّب من المسؤولية، بل بتحقيق التوازن بين حماية حقوق المطالبين وضمان قدرة ملّاك السفن على الاستمرار في أعمالهم، والاستثمار في الأساطيل، ونقل البضائع حول العالم.
أنواع تحديد المسؤولية في القانون البحري
يمكن تقسيم تحديد المسؤولية إلى نوعين رئيسيين:
- التحديد العام: يعتمد على حادث أو واقعة محددة، حيث تُحدد المسؤولية عن جميع الخسائر الناشئة عن هذا الحدث. من الأمثلة على ذلك: الحد من المسؤولية عن الحمولة وفق اتفاقية تحديد المسؤولية عن المطالبات البحريةLLMC لعام 1976 مع تعديلاتها في 1996 و2012، وتحديد المسؤولية عن أضرار التلوث النفطي بموجب اتفاقية المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث النفطي CLCلعام 1992 مع تعديلاتها في 2000.
- التحديد الخاص: يُطبَّق هذا النوع على مطالبة محددة، مثل تحديد المسؤولية عن مطالبات البضائع بموجب قواعد لاهاي لعام 1924، التي تم تعديلها لاحقا لتصبح قواعد لاهاي-فيسبي لعام 1968، مع إدخال تعديلات إضافية في عام 1979.
ومن المثير للاهتمام أنه في العديد من الأنظمة القانونية، يمكن لطرف المطالبة بتحديد المسؤولية حتى لو وقعت الخسارة نتيجة إهماله الشخصي، ما لم يثبت ارتكابه سوء سلوك جسيم أو تهورا فادحا.
لمحة تاريخية
إنّ تحديد المسؤولية له جذور راسخة في القانون البحري، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
- هولندا في القرن السابع عشر: تُظهر قضية Jansdr v Blaeu تطبيق قوانين تحديد المسؤولية، والتي استُوحيَت في الأصل من مبدأ droit de l’abandon، وهو إجراء كان يمنح مالك السفينة الحق في التخلي عن السفينة بعد وقوع الحادث وتوزيع العائدات بين المطالبين.
التشريعات البريطانية:
- قانون مسؤولية ملّاك السفن لعام 1733: الاعتراف الرسمي الأول.
- قوانين النقل البحري التجاري لعام 1854 و1862 و1894: تم تدوين القواعد العامة لتحديد المسؤولية بشكل تدريجي.
- قانون النقل البحري التجاري (مسؤولية ملّاك السفن وغيرهم) لعام 1958: تم وضع حدود المسؤولية في المملكة المتحدة وفقا لاتفاقية تقييد المسؤولية لعام 1957.
- يشكّل قانون النقل البحري التجاري لعام 1995 العمود الفقري الحالي لنظام تحديد المسؤولية في المملكة المتحدة، حيث يضم اتفاقية LLMC لعام 1976 وتعديلاتها، واتفاقية CLC لعام 1992 وتعديلاتها، واتفاقية الصندوق لعام 1992 وتعديلاتها.
الاختلافات الدولية والوطنية
تعتمد مختلف الولايات القضائية حول العالم نسخا مختلفة من هذه الاتفاقيات، مع إدخال تعديلات محلية عليها. وحتى داخل دولة واحدة، قد لا تطبق جميع الولايات القضائية الاتفاقيات ذاتها.
في ماليزيا على سبيل المثال، اعتمدت ماليزيا الغربية وجميع الأقاليم الفيدرالية (بما في ذلك لابوان) اتفاقية LLMC لعام 1976 بصيغتها المعدلة في عام 1996، بينما اعتمدت ولايتا صباح وساراواك في شرق ماليزيا قواعد تحديد المسؤولية المنصوص عليها في اتفاقية 1957.
منذ اعتماد اتفاقية وارسو عام 1929، برز حق السحب الخاص SDR كعملة معترف بها في الاتفاقيات. وقد أتاح هذا الإجراء عدم الحاجة إلى تعديل حدود المسؤولية المنصوص عليها في الاتفاقيات بشكل مستمر، حيث تتغير قيمة حق السحب الخاص تلقائيا مع مرور الوقت.
لأغراض الدفع في أي حالة محددة، يتم تحويل حق السحب الخاص SDR إلى العملة المحلية المعنية استنادا إلى أسعار الصرف اليومية الصادرة عن صندوق النقد الدولي.
عملية معقدة
إنّ حساب المسؤولية ليس عملية سريعة، يل يتضمن العديد من الخطوات، التي يمكن أن نوجزها فيما يلي:
- تحديد الاتفاقية المعتمدة والقوانين المحلية المعمول بها بشكل واضح.
- التحقق من الحمولة أو أساس المطالبة لتحديد المسؤولية.
- إجراء العمليات الحسابية، وتحويل حدود المسؤولية، التي تم تحديدها على أساس حقوق السحب الخاصة، إلى العملة المحلية.
ولكن، إلى جانب هذه العمليات الحسابية، ثمة عقبة قانونية:
- هل يمكن إجراء تحديد للمسؤولية في جميع الأحوال؟
- هل يمكن إلغاء تحديد المسؤولية في حالة وقوع إهمال جسيم أو ما يماثله؟
تُعد هذه المسائل أمرا جوهريا في حالات المطالبة.
أهمية الثقة في القوانين المنظّمة للقطاع النقل البحري
في عالم تعبر فيه البضائع القارات وتواجه مخاطر العبور عبر المحيطات، لا يقتصر فهم نطاق التعرض للمسؤولية ومعرفة متى وكيفية تحديدها على الامتثال القانوني فحسب، بل يشكل جزءا أساسيا من استراتيجية إدارة المخاطر لجميع الأطراف.
عند قراءة تقرير عن الإصابات أو إشعارا بالمطالبات، يجب أن الأخذ بعين الاعتبار أنه خلف الكواليس، تساعد عقود من التقاليد القانونية والتعاون الدولي في تحديد مقدار المسؤولية الذي يلزم الشركة أو مالك السفينة بدفع التعويضات.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 101، يناير/ مارس 2026، لقاء بحري، ص. 46 |





.jpg&w=256&q=75)

