تبدأ معظم الحرائق على متن السفن في غرفة المحركات، وتزداد وتيرتها، وذلك بسبب عدة عوامل. ورغم أن السبب الرئيسي لها قد لا يكون متطابقا، تبرز أوجه تشابه في أنماطها الكامنة.
تؤدي الحرائق على متن السفن سنويا إلى خسائر في الأرواح وأضرار جسيمة للسفن نفسها. تنشأ معظمها على متن السفن في غرفة المحركات، حيث تتوافر العناصر الثلاثة للحريق بوفرة، وهي الوقود، والأكسجين، ومصدر الاشتعال. هذه العناصر لا تُشعل الحريق فحسب، بل تُغذيه وتُفاقمه. لا تقتصر السلامة من الحرائق على اكتشاف الحرائق ومكافحتها فحسب، بل تشمل أيضا منع اشتعالها من الأساس.
في هذه المقالة، سنركز على كيفية منع اشتعال هذه الحرائق، من خلال التطرق إلى بعض الأسباب الرئيسية لحرائق غرفة المحركات، وطرح بعض التوصيات حول كيفية الحد من مخاطر وقوعها.
كيف تبدأ معظم حرائق غرفة المحركات؟
تظهر تحاليل الكثير من الدراسات والتقارير أن مطالبات بعض شركات التأمين لتغطية هيكل السفينة ومحركاتها (H&M) للفترة الممتدة بين عامَي 2017-2021، والمتعلقة بالحرائق والانفجارات على متن السفن، تفيد بأن نحو 60% منها نشأت في غرفة المحركات، حيث وقع نحو ثلثي حرائق غرفة المحركات هذه، في المحركات الرئيسة والمساعِدة أو مكوناتها المرتبطة مثل الشواحن التوربينية. نجمت غالبية هذه الحوادث عن عطل في نظام الوقود القابل للاشتعال، وغالبا ما يكون في مواسير الوقود المنخفضة الضغط، ما يسمح بتناثر الزيت على سطح ساخن غير محمي.
دراسة حالة: خلل في مواسير نظام الوقود
تصدع أنبوب نحاسي كان جزءا من مواسير إمداد مقياس ضغط الوقود لأحد المحركات المساعِدة. بسبب فقدان درع معدني يحمي من أي رش، أدى إلى تناثر الوقود على الأسطح الساخنة غير المحمية للشاحن التوربيني المجاور ونظام العادم، اللذين تجاوزت درجات حرارتهما 400 درجة مئوية. بعد ذلك، اشتعل الوقود مسببا أضرارا جسيمة للمحركات المساعدة وكابلات توزيع الطاقة. وعليه توقفت السفينة عن العمل لمدة 40 يوما لإجراء أعمال الإصلاح. وقد أظهر تحقيق الخبراء أن ماسورة النحاس المتكسرة لم تكن مطابقة للتصميم الأصلي، وكانت سماكة جدارها أقل من المطلوب. ولم تُسجل أي إصلاحات سابقة لمواسير نظام الوقود.
وكذلك، يبدو أن مجموعة المواسير في المحركات المساعِدة الثلاثة الأخرى كانت منذ صناعة كل محرك، تتكون من ماسورة فولاذية. أُزيل درع الرش أثناء الصيانة ولم يُعاد تركيبه. كما يُشتبه في أن العزل غير كاف، حيث لوحظت أجزاء مكشوفة حول مشعب العادم والشاحن التوربيني في المحركات المساعِدة الثلاثة الأخرى. خلص المحققون إلى أن ترتيبات الحماية الحرارية للمحرك المساعِد المتضرر من الحريق لم تستوفِ لوائح اتفاقية SOLAS ذات الصلة، II-2/2.2.6.1.
في الحالة المذكورة أعلاه، هناك جانبان رئيسيان يجب تسليط الضوء عليهما.
• أولا، تسرب الوقود القابل للاشتعال.
• ثانيا، عدم كفاية الحماية لمنع ملامسة الوقود شديد الاشتعال لمصدر اشتعال.
تسرب أو تناثر الوقود بسبب عطل في نظام التزييت
نذكر أدناه، بعض الأسباب الأكثر شيوعا لتناثر الوقود من أنظمة مواسير الضغط المنخفض. هذه القائمة ليست شاملة لكلّ الأحوال، ولكن تظهر أن الأعطال المذكورة أدناه تحدث بشكل متكرر.
لم تكن المواسير ووصلاتها والمكونات الأخرى المرتبطة بها، مثل الحلقات الدائرية، قطعا أصلية أو من النوع الموصى به من قبل الشركة المصنعة. في بعض الحالات، أجرى الطاقم تعديلات تحت إدارة السفينة، بينما في حالات أخرى، لم يكن الطاقم على علم بهذه التعديلات لأنها أُجريت تحت إدارة أو ملكية سابقة.
- لم تُحكم وصلات المواسير بالقوة المطلوبة، ومع مرور الوقت أصبحت فضفاضة بسبب الاهتزازات على سبيل المثال. قد يكون السبب الآخر هو التركيب غير الصحيح بعد الصيانة.
- تنكسر مسامير الفلنشات أو المرشحات بسبب التعب الناتج عن الإفراط في الربط على مدى فترة زمنية. في بعض الحالات، وُجدت مسامير التثبيت مفكوكة أو مفقودة تماما.
- كسر المواسير بسبب التعب. عادة ما تكون هذه المواسير غير مدعومة جيدا على طولها بالكامل، ما يسبب إجهادا مفرطا بسبب الاهتزازات. قد يُعزى نقص الدعم، إلى التصميم أو عدم إعادة تركيب حوامل التثبيت بعد الصيانة.
- انفكاك أغطية مرشحات الوقود وانفصال عمود التثبيت عن الغطاء العلوي لأسباب مختلفة.
- تمزق الخراطيم المطاطية بسبب التلف الناتج عن الحرارة المتولدة من الآلات القريبة.
ملامسة الوقود للأسطح الساخنة
يمكن عزل النقاط الساخنة إما حراريا، أو بأشرطة مانعة للتناثر، و/أو باستخدام حواجز مادية مثل واقيات الرش. بعض المشكلات الشائعة المتعلقة بالعزل والتي يتم ملاحظتها هي:
• قد تختلف الجودة من حوض بناء سفن إلى آخر
• قد تتدهور مع مرور الوقت
• قد لا تُثبّت بشكل صحيح بعد الصيانة
• قد تتشبع بالزيت على مدى من الزمن بسبب تسربات طفيفة.
أما بالنسبة إلى الحواجز المادية:
• قد لا تكون جزءا من التصميم الأصلي، وبالتالي لم تُركّب؛
• في حال تركيبها، قد لا تُثبت في مكانها بعد إجراء صيانة على نظام الوقود، وقد تُفقد مكانها بمرور الوقت.
السفن القديمة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام
يُعد عمر السفن أحد العوامل التي تجب مراعاتها عند تقييم مخاطر الحرائق في غرف المحركات. وقد يزداد خطر التسرب من الآلات مع تقدمه. سنناقش ذلك بشكل مفصل أدناه، ولكننا نسلط الضوء هنا على بعض المشكلات الرئيسة التي يمكن أن تزيد من خطر نشوب حريق في غرفة المحركات على السفن القديمة.
• قد تتدهور حماية الأسطح الساخنة وجودة العزل، ما يزيد من احتمالية الاشتعال وخطر اندلاع الحرائق.
• قد تواجه السفن القديمة تخفيضات في ميزانيات الصيانة والسلامة مع اقترابها من نهاية عمرها التشغيلي.
• قد تتغير ملكية السفينة وإدارتها عدة مرات خلال عمرها التشغيلي، ما قد يؤثر بشكل مباشر على استمرارية الصيانة في غرفة المحركات.
نقاط الاشتعال الشائعة في غرفة المحركات
بناء على حوادث الحرائق السابقة، وُجد أن المناطق المذكورة أدناه كانت مصدر اشتعال في معظم الحالات. يمكن أن تتجاوز حرارة هذه المناطق 500 درجة مئوية بسهولة، وقد تكون أعلى بكثير من درجة حرارة الاشتعال التلقائي للزيت.
• مجمع العادم والمواسير والفلنشات المرتبطة بها
• المناطق المكشوفة من الغلايات
• الشواحن التوربينية
• صمامات المؤشرات على الأسطوانات
• سخان وحدات التنقية
• الأسلاك/المكونات الكهربائية ولوحات التوزيع. يمكن أن يساهم ذوبان الكابلات أو احتراقها في انتقال الحرارة.
تكرار حرائق المحركات
خلال المدة من 2017 إلى 2021، بلغ متوسط التكرار السنوي لحرائق غرفة المحركات 0.13%، ما يعني أنه من بين كل 10,000 سفينة، تعرضت 13 منها لحادث حريق واحد من هذا القبيل كل عام. قد لا تبدو نسبة مرتفعة، لكن عواقب هذه الحرائق قد تكون خطيرة على حياة الإنسان، والبيئة، والممتلكات، مسببة خسائر تجارية فادحة.
العمر كعامل
ذكر سابقا أن العمر يشكل أحد العوامل التي تجب مراعاتها عند تقييم مخاطر الحرائق. وقد تبيّن أن السفن القديمة هي أكثر عرضة للحرائق التي تنشأ في غرفة المحركات، ويبلغ معدل الحرائق ذروته في السفن التي تتراوح أعمارها بين 25 و30 عاما. من المثير للاهتمام أن حملات التفتيش المركزة (CIC) التي أجرتها مذكرات تفاهم مراقبة دولة الميناء حول "أنظمة السلامة من الحرائق" قبل بضع سنوات، خلصت إلى أن معدل احتجاز السفن التي تفشل في بعض عناصر CIC يزداد مع تقدم عمر السفن.
التوصيات
يُعد عطل نظام الزيت، متبوعا بترسب الزيت على سطح عالي الحرارة، السبب الرئيسي لحرائق غرفة المحرك. نتبع التوصيات الرئيسية التالية والتي يمكن أن تساعد المالكين، والمديرين، وطواقمهم على تقليل خطر حدوث مثل هذه الحرائق:
1. تحديد مصادر التسربات
يجب أن يكون فحص مواسير الوقود وزيت التشحيم بحثا عن أي وصلات مفكوكة، أو مسامير مفقودة على الفلنشات، أو خراطيم غير معدنية في المناطق التي يمكن أن تتجاوز فيها درجات الحرارة نقطة اشتعال الوقود، وما إلى ذلك، والتي يمكن أن يتناثر منها الزيت على الأسطح الساخنة، جزءا من نظام الصيانة المخطط له للسفينة. يُوصى بإجراء تقييم لتحديد مصادر التسرب المحتملة بشكل منتظم، والتأكد أيضا من أن مكونات نظام مواسير الزيت أصلية وتفي بمواصفات الشركة المصنعة. يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية عند استلام سفينة مستعملة، سواء كانت تحت الإدارة أم الملكية.
2. رسم خرائط الأسطح الساخنة باستخدام التصوير الحراري
يمكن للمالكين/المديرين دمج استخدام التصوير الحراري على متن السفينة للكشف عن الأسطح الساخنة وفحص العزل أثناء التشغيل العادي. ينبغي على المالكين مراعاة تضمين الفحوصات الحرارية في مواصفات البناء الجديد، وإجراء مثل هذه الاختبارات أثناء التجارب البحرية. وكذلك، يجب إجراء فحص حراري لغرفة المحركات والتركيبات الكهربائية للسفينة بشكل دوري مع تشغيل المحركات والمعدات الكهربائية.
3. خريطة حرارة المحرك
نظرا لاحتمالية تدهور المواد المستخدمة لعزل الأسطح عالية الحرارة بمرور الوقت أو تشبعها بالزيت، يجب إجراء فحوصات دورية. فحتى لو بدا عزل ماسورة/نظام العادم سليما، قد تكون هناك مناطق مخفية غير معزولة بشكل كاف ونقاط تسرب حراري مفتوحة أصغر حجما قد تُسبب حريقا في حال ملامستها للزيت.
بالإضافة إلى ما تقدم، يجب فحص موقع وحالة دروع الرش لخطوط الزيت القابلة للاشتعال العالية والمنخفضة الضغط بانتظام، وكذلك الاهتمام بترتيبات تصريف مواسير الوقود المغلفة. في حال عدم تضمين دروع الرش في التصميم الأصلي، وتحديد المنطقة على أنها "مصدر محتمل لتسرب الزيت"، يجب النظر في تركيب دروع الرش. ينبغي أيضا إيلاء اهتمام خاص لإعادة تركيب دروع الرش ومواد العزل فورا وبشكل صحيح بعد انتهاء الصيانة.
بالإشارة إلى دراسة الحالة الأولية المذكورة، أسهم التأكد من مطابقة المواسير للمواصفات الأصلية، وإعادة تركيب درع الرش بعد الصيانة، واستخدام التصوير الحراري لتحديد الأجزاء المكشوفة في العزل حول الشاحن التوربيني ومشعب عادم المحرك المساعِد، في منع اندلاع الحريق.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 102، أبريل/ يونيو 2025، لقاء بحري، ص. 42 |






.jpg&w=256&q=75)
