يسيطر ملف الممرات البحرية الحيوية على المشهد الاقتصادي الدولي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تطال نقاط الاختناق الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب، وما يرافقها من تداعيات مباشرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد منذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وفي مقابلة مع إذاعة الشرق، أوضح الاستشاري والمدقق المعتمد من المنظمة البحرية الدولية والرئيس التنفيذي لموقع ومجلة ربان السفينة، القبطان هيثم شعبان، أن هذه الممرات البحرية تُعد محاور رئيسية لقطاع النقل البحري العالمي، حيث تمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط، ويمثل 11% من التجارة الدولية، فيما تمر عبر قناة السويس ما بين 12% و15% من التجارة العالمية، وباب المندب بأرقام مشابهة. وأضاف أن أي استهداف لهذه الممرات البحرية ينعكس مباشرة على القطاعين الاقتصادي والنقل البحري، مؤكدًا أن القطاع البحري يدفع الثمن بشكل غير مباشر، فالسفن المدنية والبحارة المتخصصون يتحملون أعباء لا دخل لهم بها.
وأشار القبطان شعبان إلى أن الممرات البحرية لطالما كانت محورًا للاضطرابات منذ عقود، حيث استُخدم مضيق هرمز كممر لتصدير النفط والمواد الغذائية منذ الأربعينيات، وليس فقط للنفط، كما أن 85% من إمدادات الغذاء لدول الخليج تعتمد على هذه الممرات، ما يجعلها حرجة للاستقرار الغذائي والاقتصادي الإقليمي. وأضاف أن التركيز الإعلامي الحالي على النفط يعود إلى تأثير أسعار الخام على الاقتصاد العالمي، لكنه لفت الانتباه إلى أهمية الغاز الطبيعي، خاصة من قطر، الذي يمثل بدوره نسبة مؤثرة على التجارة الدولية، مع اعتماد اليابان والصين بشكل كبير على النفط الخليجي، مما يزيد من أهمية هذه الممرات كعصب حيوي للاقتصاد العالمي.
آثار التوترات على النقل البحري وسلاسل الإمداد
أكد القبطان شعبان أن النقل البحري لا يزال الوسيلة الأرخص والأكثر فعالية لنقل البضائع مقارنة بوسائل النقل الأخرى، وأن الأزمات في هذه الممرات تؤدي إلى تكاليف إضافية عالية على الشركات البحرية بسبب الانتظار، التأمين المرتفع، وأجور الشحن الإضافية، إضافة إلى الضغط على البحارة العالقين على متن السفن، الذين قد يصل عددهم إلى أكثر من 30 ألف بحار في الخليج العربي حاليًا. وأوضح أن العديد من السفن العالقة تواجه صعوبة في تبديل طواقمها بسبب انتهاء العقود، مع قيود لوجستية تشمل النقل والإقامة والتأشيرات، ما يزيد من تعقيد العمليات البحرية. ولفت إلى أن العقود البحرية تتضمن بنودًا لتفريغ البضائع في أقرب ميناء آمن خلال فترات عدم الاستقرار، وهو ما يفرض أعباء وتغييرات في سلاسل الإمداد العالمية.
وأشار إلى أهمية تطوير البدائل البحرية خارج مضيق هرمز، مع تعزيز الموانئ في سلطنة عمان مثل صلالة وصحار والدقم، وموانئ الإمارات مثل خورفكان والفجيرة، بالإضافة إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وموانئ اليمن عند استقرار الوضع في بعض المناطق، لتخفيف الاعتماد على الممرات الأساسية. وأوضح أن السعودية أنشأت خطًا نفطيا بريا من الخليج العربي إلى البحر الأحمر لنقل 7 ملايين طن نفط يوميًا، لكنه لا يكفي لتغطية الإنتاج بالكامل، ما يستدعي التفكير في بدائل إضافية مستقبلية لضمان استمرار الإمدادات. كما أشار إلى وجود تهديدات متعددة للسفن في المنطقة تشمل الهجمات الجوية بالمسيرات، الهجمات السطحية، والألغام البحرية، ما يزيد من تعقيد حماية الملاحة ويجعل التأمين البحري مكلفًا للغاية، مع ارتفاع أجور الشحن واضطراب حركة التجارة.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو التحديات كبيرة أمام قطاع النقل البحري، سواء من ناحية ارتفاع التكاليف أو المخاطر الأمنية أو تعقيدات التشغيل، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي ككل.
أهمية القطاع البحري للأمن القومي
وفي ختام حديثه، يشدد القبطان هيثم شعبان على أن الأسطول البحري لكل دولة يجب أن يكون جزءًا من منظومة الأمن القومي، كما هو الحال في عدد من الدول، مثل الكويت عبر ناقلات النفط الكويتية، والمملكة العربية السعودية عبر شركة البحري، وقطر عبر شركة ناقلات. ويؤكد أن أي دولة يجب أن تحافظ على أسطولها البحري وتدعمه في حال تعرضه لأي أزمة، نظرًا لأن هذا القطاع يشكل ضمانة أساسية لاستدامة الأمن القومي والاقتصادي.
المحاور: الدكتور يقظان التقي، إعلامي وأكاديمي عبر إذاعة الشرق
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







