خاص - ربان السفينة
تستعرض مجلة "ربان السفينة" مقتطفات خاصة من كتاب أرواد درة البحر في شرقي المتوسط، كتابة وتوثيق المهندس فايز نوني. يحدثنا المهندس نوني عن تاريخ #مدينة_أرواد منذ ان كانت مدينة مزدهرة وكيف أن أهل أرواد كانوا يحترفون البحر.
فقد كانت أرواد مدينة مزدهرة منذ الألف الثاني ق.م. ثم وقعت تحت نفوذ صور الكنعانية، إِلا أنها استقلت عنها وأخذت تنمو وتزدهر وتمتد وتؤسس مستعمرات وتنشئ مدناً على الشاطئ لضرورات اقتصادية ودينية ودفاعية عرفت باسم «بنات أرواد». ويذكر التاريخ ان الفينيقيين هم اول امة بحرية في التاريخ وقد لاحظ استرابون الذي زار مدن الشرق سنة 25 ق.م. أن أهل ارواد القدماء كانوا يحترفون البحر على النقيض من سائر المدن القريبة منهم. ويذكر المؤرخ اليوناني اريان (المتوفي في القرن الرابع قبل الميلاد) أن الأرواديون توسعوا في الداخل فساعدوا في إقامة معابد وقلاعاً كهيكل بيتوخيخي (حصن سليمان) وسيجون (صهيون) حيث كانوا يترددون اليه في بعض المواسم الدينية. وأسهموا في تأسيس مدينة قرطاجة مسطّرين صحائف من النشاط والعمل على نشر الحضارة ونقل البضائع وتأسيس المدن. وأشهر «بنات أرواد» كما يقول ديون كيزوستروم «انترادوس» القائمة تجاه أرادوس (وهي طرطوس). ثم ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة وفي حوليات ملوك آشور وأسفار التوراة وفي النقوش الفينيقية.
احتل أرواد سرجون الأول مؤسس الدولة الأكادية (2250 ق.م. النصف الثاني من الألف الثالث ق.م.) واشتركت أرواد مع الحثيين مراعاة لمصالحها وحاربت تحت لوائهم المصريين في معركة قادش (القرن الثالث عشر ق.م). وعندما أغارت شعوب البحر على أوغاريت، كانت أرواد أوفر حظاً، ونجت من الغزو، وأصبحت من أبرز المدن على الساحل. تم السيطرة على ارواد بقيادة فرعون مصر تحوتمس الثالث سنة 1468 ق.م.
وقد استخدم فرعون في بيانه الحربي الرسمي الذي أعلن فيه سقوط هذه الجزيرة التجارية العظيمة الواقعة غي جزيرة أرواد العبارات التالي: (أنظر! أن جلالته قهر مدينة #ارواد وما فيها من قمح وقطع جميع أشجارها الجميلة. أنظر! لقد كان فيها محاصيل كل بلاد زاهي. لقد كانت جناتهم ملأى بثمارها، وخمورهم كانت في معاصرهم كالمياه الجارية، وحبوبهم على الجلول كانت أكثر من رمال الساحل وقد غمر الجيش بالحصة التي نالها).
وكانت ارواد تحت الحكم الأموري زمن عبد عشتار مع الساحل السوري 1375 ق.م. إِلا أنها خضعت للملك الآشوري تغلات بلاصر الأول (1094 ق.م.).
ثم آشور ناصر يال (883- 859 ق.م.) حيث ذهبوا اليه مع ملوك الامارات الفينيقية الأخرى قبل وصوله وقدموا الولاء له، ويتباهى آشور ناصر يال (سنة 877 ق.م.) بأن ملك أرواد قبّل الأرض بين يديه وقدم له جزية من الذهب والرصاص. غير أن الأرواديين لم يخضعوا كليا للحكم الأشوري حيث استردوا معنوياتهم واتحدوا مع ملوك سورية إِلى جانب ملكي حماه ودمشق الآراميين عام 854 ق.م. ضد جيش شلمانصر الثالث ابن ناصر- بال الاشوري (858-824 ق.م.) الذي تمكن فيما بعد من فرض الغرامات على المدن الفينيقية وأرواد في عام 839 ق.م.
عاد الملك الاشوري اسرحدون ابن سنحاريب بن سرجون الثاني واحتل المدن الفينيقية بعدما تمردت عليه سنة 677 ق م وسلم ملك ارواد ياكين ايل (الذي من المحتمل انه أبن ماتان بعل) الجزيرة وقدّم له جزية من الذهب ومعها ابنته هدية للفاتح الاشوري كزوجة ثانية للملك الأشوري.
وبعد وفاة الملك ياكين لو حيث عين أكبرهم عزي بعل ملك على أرواد وذهب أبناؤه التسعة إلى نينوى وقدموا الخضوع وهدايا من اللباس والحلي، وقيل أيضاً إنه استبقاهم مكرمين في قصره بعد موت والدهم. وفي عام 604 ق.م. دخلت في نفوذ نابو-كودوري البابلي نبوخذ نصر البابلي حين حاصر القدس لمدة 13 سنة ودخلها بعدها ودمرها وغزا سوريا كلها مع الساحل.
وفي عام 539 ق.م. أصبحت أرواد جزءاً من الامبراطورية الأخمينية الفارسية وغدت الولاية الخامسة التي سميت (مرزبانة)، ونمت وازدهرت وضربت النقود الفضية باسمها وسمح لها بممارسة الحكم الذاتي ودفعت بأسطولها إلى جانب الفرس في حملة حشويرس (اكسركس) ضد القائد الأثيني تيميستوكليس عام 480 ق.م. في المعركة البحرية «سلامين».
وقد غزا الاسكندر المقدوني البلاد عام 333 ق.م. على أثر معركة أيسوس سنة 333 ق.م. وقدم استرابون ابن ملك أرواد جير أستارتوس. الذي كان يخدم في الأسطول الفارسي حينذاك أمام المنتصر مع أربع مدن فينيقية وتبعتهم بيبلوس (جبيل) وأبدى الخضوع والطاعة وسلم الجزيرة والمملكة التابعة لها وتاجاً من الذهب. وكانت آخر وجود للقومية الفينيقية بعد ان استعمر اليونان كل مستعمرات الفينيقيين في البحر المتوسط وورثوا حضارتهم البحرية. وما يلفت النظر أن الإسكندر لم يشأ إثارة حساسية أهل أرواد وشعورهم ولم يدخل الجزيرة على الرغم من وجوده في ماراتوس (عمريت) القريبة منها بيد أنه بعد وفاته راحت تنتقل بولائها بين البطالمة والسلوقيين.
توقفت الجزيرة عن ضرب النقود باسمها في بداية السيطرة اليونانية وأقيم فيها مصنع لسك النقود باسم الاسكندر. وعقب موت الإِسكندر حملت النقود اسم الأمير فيليب أفرهيدي مدة قصيرة ثم عاد اسم الاسكندر من جديد. كان لأرواد شأن عظيم في النزاع القائم بين السلوقيين والبطالمة لهذا منح أنطيوخوس الثاني أرواد استقلالها ليضمن مساعدة بحريتها وإِخلاصها وتمتعت بامتيازات المدينة الحرة.
وعدَّت عام 259 ق.م. بدء تاريخ حريتها ونقطة تؤرخ بها الحوادث. وفي عام 218 ق.م. في أثناء تجهيز أنطيوخوس الثالث حملة على مصر أقبل عليه الأرواديون ليؤكدوا ولاءهم. واستفادت أرواد من النزاع بين السلوقيين أنفسهم ووقف الأرواديون إلى جانب سلوقس الثاني (246-226 ق.م.). وعقدوا معه اتفاقاً بأن تكون ملجأ للخارجين على المملكة وعدم تسليمهم، وسكّت كمية كبيرة من النقود الفضية، واضطر انطيوخيوس الرابع إلى إخضاع الأرواديين الذين قاوموه. ثم تم التحالف معهم ثم أعاد أنطيوخيوس السابع إلى أرواد حريتها ليكسب مساعدتها. وبصورة عامة كان لأرواد نفوذ كبير على طول الساحل السوري من اللاذقية إلى طرابلس.
وفي عام 64 ق.م. احتل القائد الروماني بومبيوس سورية وتحدد مصير أرواد بذلك. إلا أن أرواد حافظت على استقلالها إلى حد ما وتابعت إصدار تيترادرخمات (وحدات نقدية). وعندما قامت القطيعة بين بومبيوس وقيصر أيدت أرواد القائد الروماني واستخفت بعملاء أنطونيوس ورسله ورفضت دفع الجزية. غير أن المجاعة أجبرت المدافعين عن الجزيرة على الاستسلام. حيث أصبح الساحل السوري جزء من الولاية الرومانية، ودخلت أرواد في الجزء المعروف حينذاك بمقاطعة (سلوسيد) وفي عام 38-37 ق.م. وعام 35-34 سُكّت نقود برونزية في أرواد تحمل صورة ماركوس أنطونيوس مع زوجته «فولفيا» أو مع كليوباترا.
احتفظت أرواد في تلك الآونة بمؤسساتها الهلنستية وكانت الوحيدة التي حافظت على حريتها في العصر الهلنستي تأكيداً لاستقلالها في أثناء العهد الامبراطوري الروماني. ومع ذلك أخذت تخبو وتضعف، وبدأ نجم انترادوس (طرطوس) بالتألق لتأخذ مكانها. ومما يجدر ذكره أن القديس بولس وصل إِلى أرواد، وهو في طريقه إِلى روما وأعجب بتماثيلها وبشّر سكانها بالدين المسيحي.
أرواد أيام الحملة الصليبية
احتل الصليبيين بقيادة الكونت ريموند زعيم اغنياء جنوب فرنسا الساحل السوري وأنترادوس حيث أطلق عليها الصليبين أسم طرطوسة سنة 1098 م بمساعدة اسطول جنوى الايطالي.
في عام 1188 م تمكن صلاح الدين من قهر مدينة طرطوسة بالإضافة الى عكا وصفد وجبلة واللاذقية لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على القلعة (المتحف حاليا) التي تحصن فيها الصليبيين وغادر المدينة في النهاية بسبب الحملة الصليبية الثالثة على عكا ومدن الساحل بقيادة ملوك أوربا (ملك المانيا وملك فرنسا وملك إنكلترا ريكاردس الاول الملقب بقلب الاسد). بعدها، توفي صلاح الدين سنة 1192 م.
بعد وفاة البطل الظاهر بيبرس خلفة بطل لا يقل عنه قوة وهو قلاوون 1279 م الملقب المنصور. ففي 15 نيسان 1282 م جدد الهدنة التي قطعها بيبرس مع الصليبيين في طرطوس لمدة عشر سنين اضافية وعشرة أشهر وخلفه من بعده ابنه الاشرف سنة 1290 فسقطت عكا القلع الحصين للصليبيين في 18 ايار 1291.
بعد سقوط عكا سنة 1291 م بواسطة الاشرف ابن قلاوون، عندها استسلمت صور وصيدا واستسلمت #بيروت ثم طرطوسة (تغير أسمها بهذا الوقت الى #طرطوس) في 3 أب 1291 من نفس العام بعد حصارها وهروب الفرسان الصليبيين من داخل البرج الى الشاطئ من خلال نفق سري ثم استقروا في جزيرة ارواد.
بعدها استخدمت جزيرة أرواد قاعدة بحرية لأساطيل الدول الإِيطالية (بولونية وجنوى) في حقبة الغزو الصليبي ودخلت في اقطاع فرسان الهيكل أو التاميلية فشيدوا فيها قلعتين منيعتين ونقشوا على أبنيتها المهمة وقلعتها شعار أل لوزينيان الحربي وهو عبارة عن نخلة ترمز للشرق وأسد يرمز للهجمة الصليبية وهو مازال موجود حتى الان (ال لوزبنيان هم حكام قبرص من الصليبيين نصبهم ملك انكلترا ريتشارد الاول قلب الاسد على الجزيرة في اثناء عبوره الى عكا).
واستقر في الجزيرة فرسان الهيكل (المعبد) فزادوا في تحصينها، ولاسيما بعد أن حرر العرب المسلمون الساحل وأصبح الصليبين يركبون البحر ويغيرون على مدن الساحل وأخذت تدعم وتساند صليبيي طولوز في عمليات الهجوم على طرطوس حيث أرسل الصليبيين من قبرص 600 مقاتل مع عرباتهم وخيولهم لينضموا الى المغول في حملتهم ضد المسلمين وذلك في عام 1300 لكن عندما حصلت ثورة في المستعمرات الاسيوية الشرقية اضطر تيمورلنك للانسحاب فتراجعوا عن هجومهم.
وأصبحت أرواد المركز الرئيس للقائد الصليبي يعقوب الطرطوسي وأطلق عليها عكا الصغيرة وقد استخدمها للإِغارة على طرطوس بين وقت وآخر إلى أن حررها قائد الأسطول سيف الدين كهرداش الرزاق المنصوري في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون (ابن قلاوون الملقب بالمنصور اخ الاشرف بن قلاوون) في اول محرم عام 702هـ/1302م حيث انضم اليه جيش طرابلس بقيادة نائبها اسندمر ومعه الرئيس البطرني المغربي ولا يزال هذا الاخير قبره موجود على ساحل اللاذقية وبعد الحصار من الجيش والاسطول معا، وما لبس هذا القتال ان نشب لساعة فقط حتى انتهى بفوز المسلمين وكانت النتيجة مقتل الفين من الصليبيين واسر خمسمائة منهم وتم نقل عدد قليل منهم الى القاهرة على امل حصولهم على فدية. واستنقذ جميع الاسرى من المسلمين داخل الجزيرة وغنم العسكر المملوكي جميع ما بالجزيرة من غنائم ودمرت أسوارها في هذا الصراع.
تناوب على أرواد المماليك ثم أهملت وقل شأنها وألحقت إدارياً بنيابة طرابلس. وأتى العثمانيون وحسنوا في قلعتها زمن السلطان سليمان القانوني 1516 م، وشُيّد فيها حصنان صغيران في إثر غارات القراصنة اليونان ونُقل إليها بعض السكان من قلعتي صلاح الدين والمرقب وخصصت لهم رواتب ووقعت بينهم وبين القراصنة مناوشات أسفرت عن فوز حُماة الجزيرة، وأسر بعض القراصنة وتعلم الأرواديون منهم فنونهم في الملاحة ثم تغلبوا عليهم. ولمح العثمانيين شعار أل لوزينيان فأمروا بنقش سلسلة تربط الاسد بالنخلة في اشارة الى انتهاء الحقبة الصليبية وبقي شعارا للجزيرة حتى الحرب العالمية الاولى حين سقطت قنبلة على الحجر المذكور فقطعت السلسلة على حد قول المؤرخة مريم هاري. وقبل ان تخسر الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى نزلت البحرية الفرنسية في أرواد بقيادة الكومندان ترابو بعد ان حاصرتها البارجة الفرنسية جان دارك وبعد مفاوضات مع وجهاء المدينة ومنهم الشيخ عثمان عسيلي، تمكن الفرنسيين من إخضاع هذه الجزيرة للاحتلال الفرنسي في 01 ايلول سنة 1915 قبل إبرام معاهدة سايكس- بيكو وأصبحت كل معاملاتها تمهر بخاتم حكومة أرواد وأصدرت طوابع وجوازات سفر وبطاقات شخصية.
وبعد مرور ستة وعشرين شهرا على وصول الفرنسيين وأثناء قصف الجزيرة من الالمان سنة 1917 أخلي جزء كبير من أهلها الى مخيم اللاجئين في قبرص الذي نظمه أ. ترابو ثم عادوا بمجرد توقيع معاهدة السلام بين الفرنسيين والالمان (مذكرات محافظ أرواد الفرنسي طرابود).










