مجسمات السفن الخشبية تدون التاريخ البحري في الكويت

الدافع وراء حفظ التراث كان هدفه الأول للدخول في المجال، فهو يشعر بسعادة لا مثيل لها بعد إتقان عمله الذي عشقه منذ نعومة أظفاره. في أول وهلة تجاه أعمال علي محسن الجعفر المواطن الكويتي صاحب الخمسين عاما يقع نظرك على السفن الخشبية المصنوعة يدويا والتي تذكرك بحياة الكويتيين قديما.

فهذا النوع من السفن الخشبية الصغيرة ولونها وطريقة صنعها هو جزء من التراث الكويتي الذي يحكي أسرار الحياة البحرية القديمة للكويت، والحركة التجارية مع الهند ودول شرق آسيا التي قام عليها الاقتصاد الكويتي قديما.

بدأ الجعفر منذ سن الخامسة عشرة تعلم صناعة هذا النوع من السفن، أي أنه قضى حوالي 35 عاما في هذه الحرفة التي تتميز بالدقة. علي محسن الجعفر بدأ كلامه بالقول إن صناعة السفن الخشبية تحتاج إلى نوعية معينة من الأخشاب تتحمل القدرة على التواجد في الماء باستمرار.

لذلك كان خشب الساي الهندي هو المكون الأصلي لهذه السفن، ولكن هناك دولا مختلفة أيضا يتواجد بها خشب الساي مثل إندونيسيا، وماليزيا، وميانمار، وتايلاند وتنزانيا، وهذه النوعية من الخشب لها القدرة على تحمل الحرارة والماء.

وأضاف الجعفر “أقوم بتصنيع عدة أنواع من السفن الخشبية باستخدام خشب الساي الهندي، لعل أبرزها هي الجالبوت والشوعي والبغلة والسنبوك والبوم، وتتميز سفن البوم بكبر حجمها لذلك كانت تستخدم قديما في الحركة التجارية، خصوصا أن دولة الكويت كانت تعتمد في تجاراتها وعلاقاتها الاقتصادية على الحركة الملاحية من وإلى دول شرق آسيا خصوصا الهند، كما كان يستخدم هذا النوع من السفن في عمليات الغوص، أما بالنسبة لسفن الجالبوت فكان حجمها صغيرا نوعا ما مقارنة بسفن البوم، لذلك كانت تستخدم سفن الجالبوت في حركات التنقل الصغيرة داخل الكويت، أما سفن البغلة وهي نوع من أنواع سفن البوم فكانت تستخدم في الرحلات البعيدة ونقل البضائع، ويتميز هذا النوع بكبر الحجم، أما سفن الشوعي والتي تشبه إلى حد كبير سفن السنبوك، فهي تقتصر فقط على استخدامها فى الصيد بالمناطق القريبة من الشواطئ الكويتية”.

مجسمات تراثية
وأوضح الجعفر قائلا “سفن البوم تعتبر الأسهل في عملية التصنيع داخل الكويت، رغم كبر حجم هذا النوع من السفن، بعكس السفن الأخرى التي تحتوي على تفاصيل كثيرة ودقيقة مثل الجالبوت وبالتالي تحتاج إلى وقت أطول وإتقان أكبر”.

ويقوم الجعفر بتحديد مقاس الخشبة لأن هذه الخطوة هي التي ستتحكم في حجم السفينة، ثم يقوم بنحتها كقطعة واحدة، بدرجات مختلفة، حيث تكون مقدمة السفينة 45 درجة، أما مؤخرة السفينة فتكون 55 درجة، وأما بالنسبة للوقت الذي يستغرقه علي محسن الجعفر لإنتاج مجسم سفينة واحدة فيختلف حسب حجم السفينة، فمثلا السفينة التي تكون حجمها حوالي 70 سم تحتاج إلى عمل حوالي شهر تقريبا، وكلما زاد حجم السفينة زادت المدة التي تستغرقها للانتهاء من صناعتها.

أما عن الجهات التي تقبل على شراء هذه السفن، فأوضح الجعفر أن الجهات الحكومية هي التي تقبل على شراء هذه السفن بشكل أكبر، وأيضا المسؤولين حيث يضعون في مكاتبهم بعض السفن الصغيرة إشارة إلى الاعتزاز بتاريخ الكويت والحياة القديمة لدى الكويتيين، خصوصا بعض المسؤولين الكبار والهيئات التي دائما ما تستقبل وفودا أجنبية، مبينا أن معظم هذه السفن تعتبر صناعة كويتية خالصة، فالإقبال يكون على كل الأنواع سواء الكبيرة منها أو الصغيرة، ولكن تعتبر سفن البوم هي أول نوع تم تصنيعه في الكويت، وهناك العديد من الدول الخليجية مثل الإمارات وقطر والبحرين والسعودية تطلب السفن الكويتية أيضا.

وعن أسعار السفن الخشبية فقال الجعفر “تعتبر الأسعار مناسبة تقريبا لجميع الكويتيين، ولكن التكلفة تختلف من سفينة إلى أخرى حسب نوع الخشب المستخدم في كل نوع لأن الخشب أسعاره متفاوتة فهناك خشب غالي الثمن مثل البورمي، فعلى سبيل المثال سفينة الجالبوت تصنع من الخشب البورمي الهندي ويبلغ حجمها 75 سم ويكون سعرها حوالي 220 دينارا كويتيا (الدولار يساوي 301 فلس) نظرا لنوعها الدقيق وتفاصيلها التي تحتاج إلى مجهود ووقت أطول في تصنيعها، أما سفينة من نوع البوم الكويتي وبنفس الحجم فيكون سعرها حوالي 200 دينار كويتي، وهناك بعض السفن الصغيرة تتراوح أسعارها ما بين 40 و90 دينارا كويتيا حسب حجم كل سفينة.

وكشف الجعفر عن أن الإقبال على هذا النوع من السفن متزايد بدرجة كبيرة نظرا لما تمثله من تراث كويتي، ولعل أهم دافع جعله يقدم على هذه الحرفة هو حفظ وحماية التراث الكويتي، وتعريف الأجيال الناشئة بأهمية التراث وكيف كانت الحياة الكويتية القديمة قبل النهضة الحديثة، مبديا شعوره الجميل وهو يمارس هذه الحرفة وحبه لها، ما يدفعه دائما إلى الإبداع والإتقان.

وبالطبع حرفة تصنيع السفن الخشبية التي يعشقها علي الجعفر هي فقط عبارة عن مجسمات تراثية، وليست صناعة سفن كبيرة تستخدم في البحر، فمن المؤكد أن صناعة السفن العملاقة تطورت بشكل كبير في العالم حيث أصبح الاعتماد على الخشب في مثل هذه الصناعة نادرا، بالإضافة إلى وجود شركات عملاقة ودول معينة تقوم بهذا النوع من الصناعة، ويقتصر دور الجعفر على صناعة مجسمات تبرز التراث الكويتي في المعارض والمحافل الدولية فقط، وبلغ حجم أكبر مجسم لسفينة صممها الجعفر مترين تقريبا، واستغرق العمل في صناعته حوالي شهرين من تصميم ونحت ودهان وسنفرة.

ويمتلك علي الجعفر الأدوات اللازمة لتصميم مثل هذه المجسمات، والتي يزيد ثمنها عن ثلاثة آلاف دينار كويتي، لكنه يشعر بفخر كبير وهو يقوم بهذه الحرفة لإبراز تراث الكويت.

ويقتني الكويتيون هذه المجسمات في منازلهم لتذكرهم بحياة أجدادهم، حيث كانت تعتمد أرزاقهم على البحر. ولم تكن الكويت وحدها التي تعتمد على السفن في التجارة والصيد، بل كانت كل دول الخليج بشكل عام تعتمد على السفن في حياتها حيث كان البحر مصدرها الأول للحصول على الرزق.

نقلا عن: صحيفة العرب

Read 181 times

Robban Assafina Magazine – مجلة ربان السفينة Robban Assafina is a bimonthly Middle Eastern Arabic/English Magazine Specialized in Maritime Shipping, Ships, Offshore and Marine Technology. more...

Follow Us!

Chat with Us!

+961 76 300 151

Download Our Mobile App

Download our Mobile App for Android Smartphones and Tablets - Robban Assafina Magazine Download our Mobile App for iPhones and iPads - Robban Assafina Magazine
Top