في وقت باتت فيه الاضطرابات الجيوسياسية تؤثر بشكل متزايد على العمليات البحرية، يبرز مضيق هرمز كنقطة محورية للاضطرابات التي تطال النقل البحري والخدمات اللوجستية والتجارة العالمية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، وتطور آليات السيطرة، وارتفاع الضغوط التجارية، تشهد البيئة البحرية في هذا الممر الحيوي تحولات عميقة تؤثر على حركة السفن، وتدفقات الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد.
في هذا العدد من مجلة ربّان السفينة، يستعرض خبراء قانونيون ومتخصصون في التأمين والشؤون البحرية كيف لم تعد التطورات الراهنة تقتصر على تحديات الملاحة فحسب، بل امتدت لتطال الهياكل اللوجستية، وأطر التأمين، وآليات توزيع المخاطر التعاقدية. كما يسلطون الضوء على الضغوط التشغيلية، والمالية، والقانونية التي تعيد تشكيل القطاع، إلى جانب الاستراتيجيات المطلوبة للتعامل مع مشهد بحري يزداد تعقيدا وارتفاعا في المخاطر.
تصاعد التوترات الجيوسياسية
في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية التي تؤثر على مضيق هرمز، يتركز التحليل القانوني في القطاع البحري على التفاعل المباشر بين القانون البحري الدولي، وأطر العقوبات، والالتزامات التعاقدية، حيث تقدم مكاتب المحاماة استشارات تتعلق بالآثار التشغيلية، والامتثالية، والمسؤوليات القانونية الناشئة عن الملاحة في ممر عالي المخاطر.
الدكتور عبدالأمير الفرج
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عبدالأمير الفرج، الخبير القانوني في القانون البحري، أن هذه الاستشارات تستند إلى تفسير وتطبيق القانون البحري الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي يعتبرها الإطار القانوني الرئيسي المنظم للملاحة في المضائق الدولية، بما في ذلك حق المرور العابر لجميع السفن من دون إخضاعها لإجراءات مثل التفتيش أو الاحتجاز، إلى جانب اتفاقيات المنظمة البحرية الدولية المتعلقة بالمرور السالم للسفن.
وفي هذا الإطار، يقول، "تم تصنيف مضيق هرمز كمنطقة عالية المخاطر، ما يستدعي تحليلا يوميا دقيقا من قبل شركات التأمين لأغراض التسعير، فضلا عن مراعاة الالتزامات القانونية للدول الساحلية بموجب الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالموانئ وتصنيف السفن، مع الإشارة إلى أن أي انتهاكات لهذه الاتفاقيات قد تؤدي إلى فرض عقوبات على الدول غير الملتزمة."
الدكتور بدر البصيص
ومن جانبه، يتفق الدكتور بدر البصيص، المؤسس والشريك الإداري في شركة السويكت والبصيص للمحاماة والاستشارات القانونية، مع هذا الطرح، موضحا أن مضيق هرمز كان دائما شريانا حيويا، إلا أنه تحول اليوم إلى ممر قانوني وتشغيلي أكثر تعقيدا ومليئا بالمخاطر الحية، حيث تعيد التوترات الجيوسياسية تشكيل كيفية تطبيق القانون البحري عمليا.
وكذلك، أضاف الدكتور بدر أن توزيع المخاطر التعاقدية بات يشكل أحد أبرز نقاط الضغط الحرجة، إذ إن العديد من عقود إيجار السفن والعقود التجارية لم تُصغَ مع الأخذ في الاعتبار احتمال استمرار الاضطرابات الجيوسياسية لفترات طويلة. ويقول، "نتيجة لذلك، نشهد تزايدا في المخاطر المرتبطة ببنود القوة القاهرة، ومخاطر الحرب، والانحراف عن المسار. وبرأينا، فإن الموجة المقبلة من النزاعات في هذا المجال لن تكون ناجمة عن الاضطراب نفسه، بل عن كيفية توزيع المخاطر تعاقديا، أو الإخفاق في ذلك."
المحامي طارق سعد
قضايا مخاطر الحرب
ومن جهتهما، يعتقد كل من المحاميين طارق سعد وSimon Isgar، الشريكين في شركة المحاماة الدولية BLK Partners، أن طبيعة الاستشارات القانونية انتقلت من التحليل الجيوسياسي النظري إلى إدارة تشغيلية فورية للأزمات. ومع فرض قيود جديدة على الوصول البحري إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، وورود تقارير عن دخول إجراءات الحصار الأميركية المرتبطة بحركة الموانئ الإيرانية حيّز التنفيذ، باتت الشركات القانونية تقدم المشورة لمالكي السفن، والمستأجرين، والتجار، وملاك البضائع، والممولين وفق ثلاثة محاور رئيسة: المشروعية القانونية، وقابلية التأمين، وجدوى الرحلات البحرية.
المحامي Simon Isgar
ويوضحان أن القانون الدولي لا يزال ينطلق من مبدأ حق المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن هذا المبدأ لا يلغي الواقع العملي المرتبط بالمخاطر العسكرية، والتعرض للعقوبات، وإجراءات رقابة دولة الميناء، وحقوق شركات التأمين في سحب التغطية. ويضيفان: "فيما يتعلق بالعقوبات، باتت الشركات القانونية تبلغ عملاءها بأن مخاطر المضيق لم تعد تقتصر على مخاطر الحرب فقط، بل أصبحت أيضا مسألة تتعلق بإجراءات العناية الواجبة المرتبطة بالعقوبات، بما يشمل مصدر البضائع، وملكية السفن، وسلامة أنظمة التعريف الآلي (AIS)، وسجل عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، والأطراف المقابلة، ومسارات المدفوعات المالية، والارتباط بالموانئ، وكل ذلك يتطلب مراجعة فورية ومستمرة."
ومن زاوية أخرى، يلفت المحامي أحمد مبيّض إلى ما يصفه بأنه أحد أبرز المغالطات القانونية والمنطقية في الخطاب السياسي الإيراني المعاصر، والمتمثلة بمحاولة إضفاء شرعية أخلاقية أو الإيحاء بوجود "امتنان" من المجتمع الدولي تجاه إيران فيما يتعلق بمضيق هرمز.
يشرح مبيّض قائلا، "بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، هناك تمييز جوهري بين القنوات الاصطناعية والمضائق الطبيعية. فقنوات مثل قناة السويس وقناة بنما هي ممرات مائية اصطناعية بالكامل كانت ستبقى يابسة لولا إنشاؤها، وبالتالي تخضع للسيادة الكاملة للدولة، ويُبرر فرض الرسوم فيها باعتبارها تغطية لتكاليف الإنشاء والصيانة. أما المضائق الطبيعية مثل هرمز، فهي ممرات بحرية تصل بين بحرين مفتوحين أو منطقتين اقتصاديتين خالصتين، ويكفل القانون الدولي فيها حق المرور العابر من دون قيود، كما يحظر على الدول الساحلية فرض رسوم على المرور."
القوانين البحرية والدولية المطبقة
تشكل القوانين البحرية والدولية الأطر القانونية التي تعتمدها مكاتب المحاماة عند تصنيف الحوادث الأخيرة في مضيق هرمز وتقديم المشورة بشأنها. وفي هذا الإطار، يرى المحاميان طارق سعد و Simon Isgar أن التصنيف القانوني هو العنصر الحاسم. ويقولان: "يمكن تصنيف الحدث نفسه على أنه عمل عدائي، أو خطر حرب، أو إرهاب، أو تخريب، أو قرصنة، أو احتجاز، أو مصادرة، أو حادث متعلق بميناء غير سالم، أو حالة قوة قاهرة، أو مجرد تأخير. ولكل توصيف تبعات مختلفة على المسؤولية والتغطية والاختصاص القضائي."
ويؤكد الدكتور عبدالأمير مجددا أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تبقى المرجع الأساسي لتحديد الوضع القانوني لمضيق هرمز وحقوق المرور العابر من دون عرقلة، إلى جانب حق المرور البريء داخل المياه الإقليمية ما دام لا يهدد أمن الدولة الساحلية. كما يضيف أن الحوادث البحرية تُقيَّم استنادا إلى المسؤولية القانونية للأطراف المشاركة في عمليات النقل البحري وصلاحية السفن للإبحار.
وكذلك، يتفق كل من الدكتور عبدالأمير، والمحاميان طارق سعد و Simon Isgar أيضا على أهمية اتفاقية سلامة الأرواح في البحار (SOLAS) التي تنظم قواعد السلامة البحرية الخاصة بالطاقم، واللوائح الدولية لمنع التصادم في البحار التي تحدد أخطاء الملاحة وآليات تفادي الحوادث البحرية، إلى جانب اتفاقية هامبورغ لعام 1978، وعقود مجلس الملاحة البحرية لدول البلطيق (BIMCO) الخاصة بإيجار السفن، واتفاقية بروكسل لعام 1924، وقانون التأمين البحري، في تحديد ما إذا كان الخطر يصنف كمخاطر حرب أو مخاطر ملاحية.
إضافة إلى ذلك، يوضح الدكتور بدر أن الشركات القانونية تطبق مزيجا من القانون البحري الدولي، ولا سيما القواعد المتعلقة بحق المرور العابر بموجب قانون البحار، إلى جانب قوانين النزاعات المسلحة في البحر وأنظمة العقوبات. ويشير إلى أن هذه الأطر تتداخل عمليا، إذ قد يثير حادث واحد في الوقت نفسه مسائل متباينة في الوقت نفسه منها ما قد يتعلق بحرية الملاحة، أو بالأعمال العدائية والحربية، أو التعرض التنظيمي المرتبط بالعقوبات.
ويضيف: "تكمن المسألة الجوهرية في كيفية توصيف الحدث. فإذا اعتُبر الحادث ضمن مخاطر الحرب أو الأعمال العدائية، عادة ما يفعّل تغطية تأمين مخاطر الحرب، وقد يبرر الانحراف عن المسار أو تعليق الالتزامات التعاقدية. أما إذا تم التعامل معه باعتباره مسألة مرتبطة بالعقوبات، فقد تُقيَّد التغطية التأمينية أو تُرفض بالكامل، مع انتقال المسؤولية إلى الأطراف التجارية. وفي حال اعتُبر الأمر اضطرابا تعاقديا، فإن النتيجة ستعتمد بدرجة كبيرة على صياغة بنود القوة القاهرة، ومخاطر الحرب، والرحلة السالمة."
عقود إيجار السفن والاتفاقيات التجارية
في ظل تصاعد عدم الاستقرار، تقدم مكاتب المحاماة الإرشاد لمالكي السفن، والمستأجرين، وملاك البضائع بشأن تفسير الالتزامات التعاقدية ضمن عقود إيجار السفن والاتفاقيات التجارية. ويؤكد المحاميان طارق سعد و Simon Isgar أن النصيحة العملية الأهم تفيد بما يلي: "لا تفترضوا أن العقد سينقذكم إذا فشل التأمين، ولا تفترضوا أن التأمين سينقذكم إذا وجّه العقد المخاطر ضدكم". ويضيفان: "بالنسبة لمالكي السفن، تتمثل الأسئلة الفورية فيما إذا كان يمكن إصدار أوامر للسفينة بالاستمرار في الرحلة، وما إذا كانت المنطقة أصبحت محفوفة بمخاطر الحرب، وما إذا كان يمكن استرداد القسط الإضافي للتأمين، وما إذا كان رفض الإبحار مبررا، وما إذا كان تغيير المسار أكثر سلامة تجاريا من الدخول في نزاعات قضائية لاحقا."
ويتابعان، "أما بالنسبة للمستأجرين، فإن نقطة الضغط تتمثل في التعرض للتأخير، والرسوم الإضافية، وتكاليف الوقود، وتأمين سفن بديلة، وغرامات التأخير، ومخاطر خرق العقوبات، وتعطل عقود البيع اللاحقة. فالاختبار القانوني نادرا ما يكون نظريا، بل يعتمد على الصياغة الدقيقة للعقد والأدلة المتاحة وقت اتخاذ قرار الرحلة. وبالنسبة لملاك البضائع والتجار، فإن السؤال الحاسم هو ما إذا كانت تغطية مخاطر الحرب على البضائع، وتغطية الإضرابات، واستثناءات التأخير، وهياكل التأمين من المستودع إلى المستودع، مناسبة فعلا للتعامل مع نزاع في ممر بحري حيوي."
ويضيفان، "العديد من الخسائر في هذه الحالات لا تندرج ضمن مطالبات الخسارة الكلية، بل تشمل التأخير، والاحتجاز، ورفض البضائع، وتلفها، وعدم السداد بسبب العقوبات، أو الإخفاق في الالتزام بمواعيد التسليم. ولهذا السبب تحث الشركات القانونية ملاك البضائع على مواءمة عقود البيع، وخطابات الاعتماد، وصياغات تأمين البضائع البحرية، وتعهدات الامتثال للعقوبات قبل إبرام الرحلة التالية، وليس بعد وقوع الحادث."
الاعتبارات القانونية
في ظل تزايد حالة عدم الاستقرار في المنطقة، يوضح الدكتور عبدالأمير أن مكاتب المحاماة تقدم الإرشاد لمالكي السفن، والمستأجرين، وملاك البضائع بشأن تفسير الالتزامات التعاقدية ضمن عقود إيجار السفن. وفي هذا السياق، يقول: "يشمل ذلك توضيح نطاق بنود القوة القاهرة، وحدود التزامات الأطراف بتنفيذ عقود النقل البحري، وتقييم مشروعية القرارات التي يتخذها الناقلون لتغيير مسار الرحلة تفاديا للمخاطر، بما يضمن استمرار تنفيذ العقود من دون اللجوء إلى إنهائها، مع مراعاة الاعتبارات التجارية والقانونية ذات الصلة."
ومن جانب آخر، يشير الدكتور بدر إلى أن هياكل التأمين والتمويل باتت تواجه ضغوطا متزايدة، في ظل تأثير أقساط تأمين مخاطر الحرب، واستثناءات العقوبات، وحدود التغطية، على القرارات التشغيلية في البحر، ما أدى إلى تكامل أوثق بين الاستشارات القانونية، وترتيبات التأمين، والاستراتيجية التجارية. كما يلفت إلى أن الاستعداد للنزاعات أصبح ممارسة أساسية، حيث يقوم المشغلون بشكل منهجي بتوثيق قرارات الرحلات، وإجراءات الامتثال، والمراسلات، تحسبا للمطالبات أو التحكيم مستقبلا.
ويخلص الخبراء إلى أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح بيئة قانونية عالية التدقيق، تُتخذ فيها القرارات التشغيلية مع توقع مراجعتها مستقبلا، وأن النجاح في هذه المرحلة يعتمد على دمج الاستراتيجية القانونية ضمن العمليات اليومية، بدلا من التعامل معها كوظيفة لاحقة. ويؤكدون أن الجهات الأكثر قدرة على تجاوز هذه المرحلة هي تلك التي تتعامل مع القرارات القانونية، والتأمينية، والتشغيلية باعتبارها منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، وليس ثلاثة مسارات منفصلة.
تأمين النقل البحري وضغوط المخاطر في مضيق هرمز
تعيد البيئة البحرية الحالية في مضيق هرمز ومحيطه تشكيل طريقة تفسير التأمين البحري وتفعيل التغطيات التأمينية والنزاعات المرتبطة بها. ففي الظروف الحالية، أصبح التعامل مع شركات التأمين وأندية الحماية والتعويض أكثر استراتيجية من أي وقت مضى. ولم يعد السؤال الأساسي يقتصر على ما إذا كانت الخسارة قد وقعت، بل بات يتمحور حول كيفية تصنيف تلك الخسارة ضمن إطار وثيقة التأمين، خصوصا في ما يتعلق بالتمييز بين المخاطر البحرية التقليدية ومخاطر الحرب، وفقا لما يراه الدكتور بدر البصيص.
وفي هذا الإطار، يؤكد البصيص قائلا: أصبحت الاستراتيجية القانونية اليوم تُدار وفق عنصر التوقيت ومدى التنسيق مع شركات التأمين، موضحا أن ملاك السفن والمشغلين يُنصحون بالإبلاغ المبكر بموجب تغطيات الحماية والتعويض وتغطيات مخاطر الحرب في آن واحد، مع الحرص على صياغة الحادثة بطريقة تحافظ على نطاق التغطية التأمينية". مشيرا إلى أن تصنيف الحادثة، سواء كعمل عدائي أم عملية حربية أم حادث ملاحي اعتيادي، قد يحدد الوثيقة التي ستستجيب للمطالبة، أو ما إذا كانت التغطية ستصبح محل نزاع بالكامل.
التموضع الاستراتيجي للتأمين
من زاوية أخرى، يوضح الدكتور عبدالأمير الفرج أن تغطية الخسائر الناتجة عن التأخير، مثل إغلاق الموانئ أو اضطرابات العبور، يتم تقييمها استنادا إلى شروط وثيقة التأمين المبرمة بين المؤمّن والمؤمّن له.
ويشير إلى أن مثل هذه الخسائر لا تكون مشمولة في معظم الحالات ما لم تكن مرتبطة بأضرار مادية مباشرة، حيث يُنظر إلى التأخير باعتباره خسارة زمنية تؤدي إلى أضرار مالية غير مباشرة، وبالتالي لا تندرج ضمن نطاق التغطية التأمينية التقليدية.
كما يوضح أن التغطية التأمينية تقتصر عادة على حالات الخسارة الكلية أو الأضرار المادية التي تصيب السفينة أو البضائع نتيجة مخاطر الحرب أو الاضطرابات، شريطة تحقق الضرر المباشر، في حين لا تشمل الخسائر الناتجة عن التأخير مثل غرامات التأخير أو فقدان الأسواق، إلا إذا نصت الوثيقة صراحة على ذلك من خلال بنود إضافية خاصة.
ويشير كذلك إلى سيناريوهات أكثر تعقيدا قد تتوسع فيها التغطية، خصوصا في ما يتعلق بالاضطرابات البحرية الاستراتيجية. ويقول: "في حالات إغلاق الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، قد تمتد التغطية إلى الخسارة الكلية التقديرية أو الخسائر الناتجة عن احتجاز السفن، بشرط النص الصريح على ذلك في وثيقة التأمين، بينما تبقى تغطيات مخاطر الحرب محصورة بالخسائر المادية وخاضعة لشروط محددة."
سوق تأمين مخاطر الحرب
ومع ازدياد تجزئة هيكل التأمين، أصبحت العلاقة بين طبقات التغطية المختلفة أكثر أهمية. ويوضح المحاميان طارق سعد و Simon Isgar أن قابلية التأمين تعتمد في النهاية على استعداد مكتتبي مخاطر الحرب لدعم الرحلة البحرية وشروط هذا الدعم، لا سيما في ما يتعلق بالتمييز بين الأخطار المشمولة والمستثناة ضمن إطار الاستجابة التأمينية.
وفي الوقت ذاته، يصفان التأمين البحري التقليدي بأنه يركز على الممتلكات، حيث تغطي وثائق بدن وآلات السفينة الأضرار المادية التي تصيب السفينة، بينما يغطي تأمين البضائع خسائر أو أضرار الشحنات، في حين تُدار مخاطر الحرب عادة من خلال وثائق مستقلة أو إضافات تأمينية قابلة للإلغاء خلال فترات قصيرة تبعا لظروف السوق وتقييمات المخاطر.
بالإضافة إلى ذلك، يخلق هذا الواقع فجوة هيكلية، حيث قد تبقى السفينة مغطاة بالكامل من منظور الحماية والتعويض، لكنها تواجه في الوقت نفسه تعرضا تجاريا كبيرا إذا تم سحب أو إعادة تسعير تغطيات مخاطر الحرب الخاصة بالبدن أو البضائع. ويشرحان أن هذا يستحدث منطقة رمادية في التغطية تقع بين مخاطر الإرهاب أو التخريب، التي قد تبقى مشمولة بشروط معينة، وبين النزاعات المباشرة بين الدول، التي غالبا ما تكون مستثناة أو مقيدة بشكل كبير.
التشدد في شروط الوثائق التأمينية
وبحسب ملاحظات سوق التأمين البحري وأندية الحماية والتعويض، يعمل مضيق هرمز حاليا تحت ضغط جيوسياسي مرتفع، مع انتقال شروط الاكتتاب إلى وضع دفاعي أكثر تشددا.
ولا تزال التغطيات تركز أساسا على الأضرار المادية، ما يترك فجوة في ما يتعلق بخسائر التأخير، إلا إذا تم تضمين تغطيات إضافية مثل فقدان الدخل التشغيلي. ونتيجة لذلك، تولي شركات التأمين اهتماما متزايدا للالتزام بشروط الوثيقة، خصوصا تلك التي تنص على الإفصاح عن الرحلات البحرية وتبرير الانحرافات الملاحية.
كما أصبح البعد القانوني أكثر بروزا، مع تصاعد النزاعات المرتبطة بالموانئ غير السالمة والانحراف الملاحي والقوة القاهرة وتفسير التغطيات. وفي هذا السياق، يُعد الالتزام الصارم بمتطلبات الإخطار والتوثيق أمرا بالغ الأهمية، في ظل التدقيق المكثف من قبل شركات التأمين في مدى معقولية تصرفات ملاك السفن والتزامهم بشروط الوثيقة.
ويعكس السوق حاليا بيئة اكتتاب عالية التأهب تتسم بارتفاع الأقساط، وتشديد الشروط، وتراجع المرونة، وزيادة التدقيق القانوني، مدفوعة أساسا بتقلبات مرتبطة بالحوادث وليس بإعادة تسعير هيكلية شاملة، مع إمكانية تغير ذلك سريعا في حال تصاعد التوترات.
ويُشار في هذا السياق إلى أن تغطيات الحرب، إن توفرت، يتم تسعيرها حاليا عند مستويات تقارب 2.5% مقارنة بنحو 0.5% سابقا، مع استمرار بعض شركات التأمين في تقديم هذه التغطيات ضمن الظروف الحالية.
قطاع النقل البحري يواجه ضغوطا متصاعدة
في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية المؤثرة على مضيق هرمز، باتت العمليات البحرية والخدمات اللوجستية العالمية تتأثر بمخاطر أمنية متصاعدة وآليات رقابية متغيرة وضغوط تجارية متزايدة. وقد تطورت الأوضاع إلى اضطراب تشغيلي مباشر يؤثر على حركة السفن، وسلاسل الإمداد، وتدفقات الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية عالميا.
واستجابة للأزمة، تستعد المنظمة البحرية الدولية (IMO) لوضع خطة لإجلاء نحو 800 سفينة لا تزال عالقة في المضيق. ومن جانبه، يؤكد الأمين العام للمنظمة، Arsenio Dominguez، أن تنفيذ الإجلاء لن يكون ممكنا إلا في حال تراجع التصعيد والتأكد من سلامة المنطقة، خصوصا خلوها من التهديدات مثل الألغام البحرية.
وكذلك، يوضح أن الخطة تستند إلى إنشاء ممر بحري سالم، مع إعطاء الأولوية لإجلاء البحارة بدلا من البضائع، على أن تغادر السفن وفق تسلسل منظم يعتمد جزئيا على مدة بقاء الطواقم عالقة. كما ستتم أي حركة وفق نظام فصل حركة الملاحة الذي طورته إيران وسلطنة عمان واعتمدته المنظمة البحرية الدولية في عام 1968.
أزمة البحارة العالقين
كما أطلق Dominguez تحذيرا شديد اللهجة بشأن الوضع الأمني في البحر، مؤكدا أن الهجمات وعمليات احتجاز السفن التجارية أمر غير مقبول ويجب أن يتوقف فورًا، إلى جانب الإفراج عن جميع السفن والبحارة المحتجزين. وقد سلط الضوء على البعد الإنساني للأزمة بعد حديثه مع أحد البحارة العالقين في الخليج العربي، والذي وصف حالة التوتر المستمرة نتيجة الصواريخ التي تمر فوق السفن، ومخاطر سقوط الحطام، وتقنين الإمدادات، وصعوبة التواصل مع العائلات.
ورغم تمكن ذلك البحار لاحقا من مغادرة المنطقة، يشير Dominguez إلى أن نحو 20 ألف بحار لا يزالون عالقين منذ أكثر من أكثر من سبعة أسابيع، وسط غموض بشأن موعد عودتهم إلى ديارهم.
ضغوط التكلفة والتفتيش
بالتوازي مع الوضع الأمني، تشير تقارير متداولة في الأوساط البحرية والطاقة إلى ظهور إجراءات تفتيش وتخليص مشددة تُطبق على بعض السفن العابرة لمضيق هرمز، ولا سيما ناقلات النفط. ووفقا لهذه التقارير، تتطلب هذه الآليات تقديم معلومات تفصيلية عن السفن والبضائع والطاقم عبر وسطاء، مقابل الحصول على موافقات العبور ورسوم مالية هائلة.
وتفيد التقارير بأن العملية تبدأ بتواصل ملاك السفن أو المشغلين مع وسطاء معتمدين يُعتقد أنهم مرتبطون بجهات رسمية في إيران، حيث يتم جمع وثائق شاملة تتضمن رقم IMO الخاص بالسفينة، وتفاصيل الملكية والإدارة، وبيانات البضائع، والوجهة، والقائمة الكاملة للطاقم. وتخضع هذه المعلومات لعمليات مراجعة متعددة المستويات تشمل التحقق من العقوبات وفحص الشحنات، خصوصا النفطية منها، وتقييم عوامل المخاطر الجيوسياسية.
وفي حال اجتياز السفينة هذه المراحل، يتم إصدار رمز تخليص وتعليمات عبور محددة. كما تشمل الإجراءات، بحسب التقارير، اتصالات عبر أنظمة الاتصالات العالية التردد (VHF)، والتحقق من أنظمة التعريف الآلي (AIS)، ومرافقة دوريات بحرية، مع اقتصار الحركة أحيانا على سفينة واحدة في كل مرة.
وفي هذا الإطار، تبرز ضغوطا لوجستية إضافية مرتبطة بالتكاليف، حيث يُقال إن الرسوم المفروضة على كل ناقلة نفط تصل إلى نحو مليوني دولار، وهو ما يعادل تقريبا دولارا واحدا لكل برميل بالنسبة لناقلات النفط العملاقة التي تحمل نحو مليوني برميل. كما تشير المعلومات المتداولة إلى أن اليوان الصيني يُعد من العملات المفضلة في هذه التعاملات.
ويرى مراقبون أن مثل هذه الآليات، إذا تم تأكيدها أو تطبيقها على نطاق واسع، ستؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري وزيادة أقساط التأمين وتعطيل كفاءة التدفقات التجارية العالمية، نظرا لأهمية مضيق هرمز كممر رئيسي للطاقة.
السيد ريان قطب
مرونة المنظومة اللوجستية الإقليمية
من منظور أوسع لسلاسل الإمداد والعمليات التشغيلية، يؤكد ريان قطب، رئيس مجلس اللوجستيات بغرفة جدة، أن التطورات الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز تمثل فرصة لتعزيز مرونة واستمرارية منظومات سلاسل الإمداد، مشيرا إلى أن المملكة العربية السعودية تدير هذه المرحلة عبر نهج متوازن يجمع بين الاستجابة التشغيلية الفورية والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويضيف، "لا تقتصر الجهود الحالية على ضمان تدفق البضائع وخدمة الأسواق المحلية والخليجية، بل تمتد إلى تسريع تطوير المنظومة اللوجستية وتحويل التحديات إلى فرصة لتعزيز الكفاءة والتكامل."
ومن منظور البنية التحتية، يلفت قطب إلى تنوع المنافذ البحرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر، ما يتيح توزيع التدفقات من دون الاعتماد على مسار واحد، مدعوما بموانئ متعددة عالية السعة وشبكات طرق وسكك حديدية وخدمات لوجستية تعزز المرونة وامتصاص الصدمات.
وعلى مستوى الحوكمة، يشدد على قوة التنسيق بين القطاعَين العام والخاص عبر التواصل المباشر والمعالجة التشغيلية اليومية وسرعة اتخاذ القرار، بما يتيح معالجة التحديات الجمركية والنقل بكفاءة.
تعزيز المرونة وسلاسة الحركة
يشير قطب، إلى المرونة التنظيمية، لافتا إلى أن هيئة الزكاة والضريبة والجمارك سمحت بأنشطة النقل العابر من دون اشتراط ضمان بنكي، وأتاحت النقل الداخلي بين الموانئ الجوية والبحرية من دون لوحات عبور.
ويؤكد أن دعم الصادرات يسهم في رفع كفاءة النقل البحري، موضحا أن تحقيق توازن أفضل بين الواردات والصادرات ينعكس على كفاءة تشغيل الخطوط الملاحية وخفض التكاليف الإجمالية. كذلك، يصف المنظومة بأنها ممرات مترابطة تربط الموانئ، والموانئ الجافة، والمراكز اللوجستية في مدن مثل الرياض والدمام، وتمتد إلى منافذ البحر المتوسط عبر الربط البري والسككي.
بالإضافة إلى ذلك، يشير إلى دور المطارات في دعم الاستمرارية من خلال تدفقات الشحن الجوي القادمة من دول الخليج، بما يضمن استمرار تدفق الشحنات الحساسة والعاجلة. "على المستوى البحري، ساهمت الجاهزية التشغيلية، ودعم السفن، وتوافر الوقود، وتحسين الكفاءة في تعزيز مرونة الحركة."
ويختتم بالتأكيد على أن الأتمتة والمنصات الرقمية أصبحت جزءا جوهريا في تحسين كفاءة النظام من خلال اتباع إجراءات التسريع، وتحسين التنسيق بين الجهات.
مخاطر سلاسل الإمداد تتوسع
مع تشدد البيئة التشغيلية، انتقل التركيز من حركة السفن وحدها إلى سلاسل الإمداد الأوسع. ووفقا ل "طارق سعد" و" Simon Isgar"، لم تعد الضغوط محصورة في عمليات النقل البحري فقط، بل باتت تؤثر بشكل متزايد على تمويل التجارة وتدفقات البضائع واستقرار العقود.
ويقولان: "بعيدا عن السفينة نفسها، تتزايد الضغوط عبر سلسلة الخدمات اللوجستية بالكامل. فالمستأجرون يواجهون مخاطر الاستبدال وفشل سلاسل الإمداد، بينما تتعرض مصالح الشحنات لمخاطر التأخير وعدم التسليم، التي قد تتجاوز الخسائر المادية نفسها. وفي الوقت ذاته، قد تنهار هياكل خطابات الاعتماد وعقود البيع قبل أن تتدخل التغطيات التأمينية، ما يفاقم الاضطرابات في التدفقات التجارية."
ويخلصان إلى أن ممارسات السوق تتجه نحو إدارة مخاطر أكثر تنظيما، موضحين أن أفضل الممارسات في هذه البيئة أصبحت أكثر وضوحا، إذ يتجه السوق نحو نهج منضبط يشمل تدقيق العقوبات والأطراف المقابلة قبل إبرام العقود، والتوثيق الدقيق للقرارات وتقييمات المخاطر، وتحقيق المواءمة بين العقود والتأمين والتمويل. وأشارا إلى أن الأطراف الأكثر جاهزية ليست الأكثر اندفاعا، بل الأكثر تنسيقا.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 102، أبريل/ يونيو 2026، لقاء بحري، ص. 8-9 |









