في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على الممرات التجارية وسلاسل الإمداد، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ موقعها كقوةً بحريةً ولوجستيةً على الخارطة العالمية، مستندة إلى رؤية 2030 التي جعلت من القطاع البحري أحد أهم روافع التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وبينما ينقل البحر أكثر من 90% من التجارة العالمية، تمضي المملكة بخطوات متسارعة نحو تحويل موقعها الجغرافي الاستثنائي إلى مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية يربط بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.
منظومة بحرية متكاملة
وخلال مقابلة تلفزيونية مع برنامج «الشارع السعودي» عبر قناة السعودية، استعرض المهندس عصام العماري، وكيل النقل البحري في الهيئة العامة للنقل، أبرز ملامح التحول الذي يشهده القطاع البحري، مؤكداً أن المملكة انتقلت من مرحلة تطوير البنية الأساسية إلى بناء منظومة بحرية متكاملة تجمع بين الموانئ الحديثة، والخدمات اللوجستية المتقدمة، والصناعات البحرية، والسياحة البحرية، والتحول الرقمي.
وأوضح العماري أن الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية حددت خمسة مستهدفات رئيسية للقطاع البحري، تشمل تطوير الموانئ، وتعزيز الشحن البحري، وتوطين صناعة بناء السفن، وتنمية السياحة البحرية، ودعم الاستزراع السمكي، بما يعزز مساهمة الاقتصاد البحري في الناتج المحلي ويرفع من تنافسية المملكة على الساحة الدولية.
مبادرات نوعية
وفي إطار هذه الرؤية، شهدت السنوات الأخيرة إطلاق عدد من المبادرات والمشروعات النوعية، كان من أبرزها تطوير السياحة البحرية في البحر الأحمر، والتوسع في الصناعات البحرية عبر مجمع الملك سلمان للصناعات البحرية، الذي يمثل أحد أكبر المشروعات البحرية في المنطقة، ويُسهم في توطين الصناعة البحرية وتعزيز المحتوى المحلي وبناء القدرات الوطنية.
كما واصلت المملكة تطوير قطاع الاستزراع السمكي من خلال إنشاء وتوسعة المزارع والأحواض السمكية في عدد من المناطق الساحلية، دعماً للأمن الغذائي وتحقيقاً لمستهدفات الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات غير النفطية.
وعلى مستوى البنية التحتية، تمتلك المملكة اليوم 11 ميناءً متطوراً تشكل منظومة مترابطة تخدم حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، وأسهمت في تعزيز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً لخطوط الملاحة البحرية والشحن الدولي.
ويبرز القطاع الخاص شريكاً رئيسياً في هذا التحول، حيث أطلقت المملكة فُلك البحرية المتخصصة في خدمات سفن التغذية والدعم البحري، بما يسهم في رفع كفاءة العمليات اللوجستية البحرية وتعزيز تنافسية الموانئ السعودية. كما تتواصل الاستثمارات في قطاع الرحلات البحرية السياحية (الكروز)، الذي يُعد من أسرع القطاعات نمواً ضمن منظومة السياحة الوطنية.
وفي الوقت ذاته، تواصل شركة البحري تعزيز حضورها العالمي، حيث تحتل المرتبة الثانية عالمياً في تصنيف ملكية وتشغيل ناقلات النفط العملاقة، ما يعكس المكانة المتقدمة التي وصلت إليها الشركات السعودية في قطاع النقل البحري الدولي.
منصة "لوجستي"
ومن الجانب التشغيلي، يحظى التحول الرقمي بأولوية كبيرة في تطوير القطاع البحري، حيث أشار العماري إلى أن الهيئة العامة للنقل أطلقت منصة «لوجستي» لتوحيد الإجراءات والخدمات اللوجستية، إلى جانب منصة «إبحار» التي تمثل نافذة إلكترونية متكاملة لتسهيل إجراءات تنقل اليخوت السياحية داخل المملكة.
وذكر أن منصة «إبحار» توفر خدماتها عبر منظومة رقمية مترابطة مع أكثر من 18 جهة حكومية، كما تضم مركزاً متكاملاً يعمل على مدار الساعة لخدمة اليخوت والسياحة البحرية، وتقديم الدعم المتعلق بالوجهات البحرية وإجراءات الطواقم والتأشيرات والخدمات المساندة، بما يعزز جاذبية المملكة وجهةً بحريةً إقليمية ودولية.
وفي إطار تنويع وسائل النقل المستدامة، بدأت المملكة تشغيل مشروع التاكسي البحري في مدينة جدة عبر مسارات بحرية محددة ومنظمة على الواجهة الساحلية، مع خطط للتوسع مستقبلاً في المنطقة الشرقية، بما يدعم الحركة السياحية ويوفر خيارات نقل إضافية تتماشى مع مستهدفات الاستدامة.
42 اتفاقية وبروتوكول دولي
أما في مجال السلامة البحرية، فأكد العماري أن المملكة تواصل التزامها بأعلى المعايير الدولية من خلال انضمامها إلى أكثر من 42 اتفاقية وبروتوكولاً دولياً، تشمل اتفاقيات سلامة الأرواح في البحار وحماية البيئة البحرية. كما عززت حضورها الدولي من خلال إعادة انتخابها عضواً في مجلس المنظمة البحرية الدولية بأغلبية كبيرة من الأصوات، محققة المرتبة الثانية عالمياً في عدد الأصوات.
ولم يقتصر التطور على البنية التحتية والاستثمارات فحسب، بل امتد إلى تنمية رأس المال البشري، حيث ارتفعت برامج التدريب البحري بنسبة 24% خلال العام الماضي، مع توسع مشاركة الشباب والمرأة في مختلف التخصصات البحرية والملاحية والتقنية.
وفي هذا السياق، استعرض العماري نموذجاً يعكس حجم التحول الذي يشهده القطاع، يتمثل في سيدة سعودية بدأت مسيرتها المهنية طبيبة أسنان، قبل أن تنتقل إلى المجال البحري وتتدرب على متن ناقلات النفط العملاقة، لتصبح اليوم على وشك الحصول على شهادة الملاحة البحرية المهنية، في قصة تجسد اتساع آفاق التمكين وفرص العمل النوعية التي أتاحها القطاع البحري السعودي.
ومع استمرار تطوير الموانئ، وتوطين الصناعات البحرية، وتعزيز الاستثمارات، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين الكفاءات الوطنية، تتقدم المملكة بثبات نحو بناء منظومة بحرية متكاملة، تجعل من القطاع البحري أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي، وترسخ مكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية خلال العقود المقبلة.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







