تحية بحرية،
فجأة، وبالرغم من أن إسمه متداول بعض الشيء على مسمع الناس، غزا “الذكاء الإصطناعي” شاشات التلفزة والحواسيب والهواتف الذكية، وأصبح شغلها الشاغل كما كورونا قبل ثلاثة أعوام، كيف لا وهو الذي سيغير مفاهيم الكثير من الأعمال.
فقد انتشرت المقالات والتحليلات عن الذكاء الإصطناعي وتأثيره كالنار في الهشيم، وظهر روبوت الدردشة ChatGPT الذي وبعد شهرين فقط من إطلاقه في أواخر نوفمبر الماضي، استقطب 100 مليون مستخدم حتى فبراير 2023، مع 13 مليون زائر يوميا، حيث تشير التقارير إلى أنه يعتبر حاليا واحدا من بين أكثر 50 موقعا إلكترونيا في العالم يلج إليه المستخدمون.
كما أن الاهتمام المتزايد بـ ChatGPT، دفع الشركات المنافسة مثل جوجل إلى تسريع إصدار أداتها التي ضمنتها تكنولوجيا روبوتات الدردشة، وأعطتها اسم Bard، لتليها شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة بايدو التي طرحت برنامج دردشة مماثل أسمته Ernie، والظاهر أن الكثير سيلي ذلك.
تاريخيا، يعتبر قطاع النقل البحري صناعة تقليدية إذ تتباطأ في الإعتماد على التقنيات الحديثة ومنها الذكاء الإصطناعي، إلا أن حدثا ظهر مؤخرا نبّه إلى إمكانية تأثير هذه الظاهرة على النقل البحري.
فقد إدعى ربان أمريكي أن مالك السفينة التي يعمل على متنها استخدم روبوتا للذكاء الاصطناعي، يحتمل أن يكون ChatGPT، لاقتراح تعديلات على خط سير السفينة، إلا أن الربان اختار عدم الالتزام بتوصيات المالك حول هذا الأمر.
فالرسالة التي تلقاها الربان من المالك كانت فقراتها الأولى والأخيرة محتوية على مجاملات ويبدو أن من كتبها إنسان، لكن ما استوقفه هو النصيحة حول كيفية التخفيف من المخاطر، والتي بدت وكأنها مكتوبة من الذكاء الاصطناعي، مرفقة بالطلب إليه تغيير خط سير السفينة أثناء الرحلة!
مما لا شك فيه أن عدم وجود خطر ملاحي مباشر وكون طبيعة النصيحة المقدمة كانت مبتذلة إلى حد ما، وبالرغم من أنه كان من الصعب في حينها على الربان إثبات أن الرسالة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، لكن أسلوبها كان بالتأكيد مشابها لما ينتجه هذا الذكاء. وهنا تأتي خبرة كل ربان ليؤكد أن ليس كل ما يأتيه من تعليمات عليه الإلتزام به، ويستطيع عبر السلطة الممنوحة له من خلال المدونة الدولية لإدارة السلامة ISM Code، تجاهل كل ما قد يعرض السفينة للخطر ويضع سلامتها على المحك.
عند سؤال ChatGPT عن رأيه حول صحة تقديمه المشورة بشأن عمليات السلامة الحيوية مثل التخطيط لرحلة السفينة، استجاب وذكر أنه كنموذج للغة الذكاء الإصطناعي AI، لم يتم تصميمه أو اعتماده لتقديم المشورة بشأن هذه العمليات، فيما يمكنه إنشاء نص بناء على ما يتم تغذيته من معلومات، وهكذا فإن فهمه للمواقف المعقدة في العالم الحقيقي واعتبارات السلامة محدود.
بالطبع، لا نستطيع إنكار قدرة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف المخاطر والتخفيف منها في العديد من المجالات ومنها عمليات السفن، لكن يبقى التدخل البشري الماهر مطلوبا قبل اتخاذ القرار النهائي في أي عمل بحري.
يعتبر ما حدث بمثابة إشارة أو جرس إنذار حول توجه أي من العاملين في شركات ملاحية إلى روبوتات الدردشة للإستعانة بها، لإصدار توجيهات مماثلة لطلب تغيير خط سير سفينة، لا بل قد يتعدى الأمر أكثر من ذلك. فإغراء الذكاء الاصطناعي الجديد هذا، سيكون محفزا للكثير من العاملين، برا وبحرا، لاستخدامه للقيام بالكثير من الأعمال.
بغض النظر عما إذا كان من الممكن تأكيد استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الحادثة، فإنه من الأهمية بمكان ما أن تقوم المنظمات المعنية بالنقل البحري وعلى رأسها المنظمة البحرية الدولية، بمناقشة الآثار المترتبة على استخدامه، وتقديم التوجيهات اللازمة في هذا المجال، إذ أن أخذ نصيحة الذكاء الإصطناعي قد يؤدي إلى وقوع حادث بحري كبير تزهق فيه الأرواح، فالحوادث التي وقعت منذ زمن ليس ببعيد نتيجة الإتكال على الأنظمة الإلكترونية، لا تزال في البال.
القبطان هيثم شعبان


