تحية بحرية...
تفاجأ العالم في العام الماضي بفرض الولايات المتحدة الأمريكية رسوم موانئ على السفن ذات الصلة بالصين، وردّت الصين بفرض رسوم على السفن ذات الصلة بالولايات المتحدة. وعلِق العالم بين هذين القرارين اللذين أثارا استياء واسعا في المجتمع العالمي للنقل البحري، ليتم لاحقا تعليقه لمدة 12 شهرا حتى نوفمبر 2026.
إلا أن البيت الأبيض المحب للمفاجآت، أصدر في 13 فبراير الماضي خطة العمل البحرية Maritime Action Plan MAP من خلال أمر تنفيذي يدعو إلى استعادة "الهيمنة البحرية الأمريكية"، حيث تضمنت هذه الخطة المؤلّفة من 42 صفحة، فرض "رسم شامل للبنية التحتية أو الأمن" على السفن المبنية خارج الولايات المتحدة، وهي فئة تمثل نحو 99% من السفن التجارية التي ترتاد الموانئ الأمريكية، في ظل مساهمة أمريكية تقل عن 1% من بناء السفن التجارية عالميا.
المفارقة أن الخطة لا تحدد الرسم النهائي، لكنها تطرح نموذجين واضحين لاستيفاء هذا الرسم فإما 0.01 دولار أو 0.25 دولار على كل كغ من وزن البضائع المستوردة، والفارق بينهما هائل، فالأول يحقق 66 مليار دولار خلال 10 سنوات، أما الثاني فيقفز إلى 1.5 تريليون دولار. هذا يعني أن الرسم ليس مجرد أداة تنظيمية، بل أداة تمويل صناعي لصندوق الأمن البحري المقترح، الذي سيغذي توسعة أحواض السفن، وتنمية القوى العاملة، وتوسيع الأسطول التجاري الأمريكي.
ليس ذلك فحسب، بل يؤكد هذا التوجه ارتباطه المباشر بواقع الصناعة البحرية الأمريكية اليوم، فالولايات المتحدة تمتلك حصة تقارب 0.04% فقط من الحمولة الحجمية العالمية في بناء السفن التجارية، ما يجعلها لاعبا صغيرا نسبيا في بناء هذه السفن، رغم أنها تبقى قوة عالمية رائدة في بناء السفن البحرية العسكرية والدفاعية. لذلك، تبدو الخطة كمحاولة لإعادة بناء القاعدة التجارية البحرية الأمريكية عبر أدوات تمويل وتشريع وحوافز.
أما من ناحية الأسطول، فالولايات المتحدة تمتلك 777 سفينة ترفع العلم الأمريكي، إضافة إلى 912 سفينة مسجلة تحت أعلام أخرى، بإجمالي 1702 سفينة (أكبر من 1000 طن حجمي). هذا الرقم يوضح أن واشنطن لا تبدأ من الصفر، لكنها تسعى بوضوح إلى تعزيز الحضور التجاري للأسطول الذي يرفع العلم الأمريكي ضمن التجارة الدولية.
لكن السؤال الأهم هو من سيتحمل كلفة هذا الرسم؟ عمليا، لن تتحملها شركات النقل البحري بل ستمرر غالبا إلى المستوردين عبر رسوم إضافية. فإذا احتسب سنتا واحدا لكل كغ في حاوية 40 قدما محملة بنحو 14 طنا، ستكون النتيجة 140 دولارا إضافية. وإذا كانت أجرة الشحن البحري لهذه الحاوية من شنغهاي إلى لوس أنجلوس تصل إلى 2,200 دولار، ستكون الزيادة 6.3% تقريبا. أما أما إذا اعتمدوا 25 سنتا لكل كغ، فيسكون الوضع كارثيا حيث سيصل الرسم إلى 3,500 دولار للحاوية، أي أعلى من أجرة الشحن نفسها!
على مستوى السفن، ستصبح الأرقام أكثر تأثيرا فلو أفرغت سفينة 1000 حاوية نمطية بمتوسط 14 طنا لكل حاوية، فسنرى رسمًا بنحو 140 ألف دولار في كل زيارة لها لأي ميناء أمريكي، إذا تمّ اعتماد رسم السنت الواحد لكل كغ، ويرتفع الرقم إلى 3.5 مليون دولار في حال فرض 25 سنتا على كل كغ. وهو أمر كفيل بإعادة تشكيل قرارات التسعير، وتوزيع السعة، وربما مسارات التجارة البحرية نفسها.
هي ليست فقط خطة لإحياء القطاع البحري الأمريكي، بل محاولة لتوزيع كلفة هذا المشروع على التجارة الدولية. وإذا نفذت بصيغتها الحالية، فإن كلفة الوصول إلى السوق الأمريكية لن تبقى رقما تجاريا ثابتا، بل ستصبح متغيرا سياسيا وتشريعيا يؤثر مباشرة في المستوردين والناقلين والمستهلك النهائي، وسيقلب الموازين في حال كان الرد بالمثل أو بالاقتباس دون أي دراسة في عالم نقتبس فيه غالبية ما يفعله العم سام.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 101، يناير/ مارس 2026، لقاء بحري، ص. 7 |


