تسجل تكاليف الشحن البحري إلى الجزائر ارتفاعًا جديدًا، مدفوعة بتأثيرات التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
فبعد سنوات من عدم الاستقرار الذي مس قطاع النقل البحري العالمي، تعود رسوم الشحن لتفرض نفسها مجدداً كأحد أبرز التحديات أمام المتعاملين الاقتصاديين والمستوردين، خاصة مع اعتماد السوق الجزائرية على تدفقات واسعة من السلع والمواد القادمة من الأسواق الآسيوية.
وفي هذا السياق، أعلن المجمع الفرنسي للنقل البحري CMA CGM عن رفع رسوم موسم الذروة (Peak Season Surcharge – PSS) على الخطوط البحرية الرابطة بين آسيا والبحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، بما يشمل الموانئ الجزائرية، ابتداءً من الفاتح جويلية 2026.
ويقضي القرار برفع الرسوم من 900 دولار إلى 1400 دولار للحاوية ذات 20 قدماً، ومن 1800 دولار إلى 2800 دولار للحاوية ذات 40 قدماً، أي بزيادة تقارب 56 بالمائة، بغض النظر عن طبيعة البضائع المشحونة.
وتضع هذه الزيادات الجديدة الفاعلين الاقتصاديين أمام ضغوط إضافية على كلفة الاستيراد، خاصة أنها تأتي في سياق لم تتعاف فيه الأسواق بشكل كامل من موجات الارتفاع السابقة المرتبطة بالأزمات الدولية والتوترات الجيوسياسية التي مست مسارات الملاحة العالمية.
كما تفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول حجم انعكاساتها على فاتورة الاستيراد الوطنية، ومدى تأثيرها على سلاسل التموين والأسعار وهوامش أرباح المستوردين، فضلاً عن احتمال انتقال آثارها تدريجياً إلى المستهلك والسوق الوطنية ككل.
تكاليف النقل البحري تدخل مرحلة جديدة
وفي الموضوع يرى خبير الاقتصاد والتجارة الدولية، الدكتور أحمد الحيدوسي، أن قرار رفع رسوم موسم الذروة على الخطوط البحرية نحو الجزائر وشمال إفريقيا لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً تقنياً معزولاً أو مجرد مراجعة ظرفية لأسعار النقل، بل يندرج ضمن تحولات عميقة يشهدها قطاع النقل البحري العالمي الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أكثر تأثراً بالتغيرات الاقتصادية والتجارية والجيوسياسية، وأكثر حساسية تجاه الاضطرابات التي تصيب سلاسل الإمداد الدولية.
ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي مرحلة إعادة تموقع لعدد من الأنشطة التجارية والإنتاجية، بالتوازي مع استمرار تداعيات الأزمات الدولية التي لم تنته آثارها بالكامل، الأمر الذي جعل تكاليف النقل والشحن تتحول من مجرد عنصر ثانوي في التجارة الدولية إلى عامل مؤثر بشكل مباشر في أسعار السلع واستقرار الأسواق.
وأوضح الدكتور الحيدوسي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن شركات النقل البحري الكبرى، ومنها شركة CMA CGM، اعتادت منذ سنوات تطبيق ما يعرف برسوم موسم الذروة أو “Peak Season Surcharge”، وهي رسوم إضافية تفرض خلال الفترات التي تشهد ارتفاعاً في حجم الطلب على الحاويات والخدمات اللوجستية. غير أن الوضع الحالي، حسبه، يختلف عن الظروف التقليدية السابقة.
وأشار إلى أن العالم لم يعد يعيش مرحلة استقرار اقتصادي تسمح بتوقعات ثابتة لحركة التجارة، بل أصبح يواجه تحولات متلاحقة تفرض على شركات الملاحة مراجعة نماذجها الاقتصادية بصورة مستمرة.
وقال إن ارتفاع تكاليف الوقود البحري، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، وارتفاع نفقات التشغيل والصيانة، فضلا عن اضطراب بعض الممرات البحرية الدولية، كلها عوامل أصبحت تضغط بشكل كبير على الشركات البحرية.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية التي عرفتها عدة مناطق خلال السنوات الأخيرة دفعت شركات النقل إلى إعادة حساباتها اللوجستية والتجارية، لأن أي اضطراب في أحد المسارات البحرية الكبرى ينعكس مباشرة على تكاليف الرحلات، وعلى آجال التسليم، وعلى أسعار الخدمات.
وأكد أن المسألة لا ترتبط فقط بفكرة ارتفاع الطلب خلال موسم معين، بل بتغيرات هيكلية تمس المنظومة البحرية الدولية بكاملها.
زيادة بنسبة 56 بالمئة أرقام تبدو تقنية لكن آثارها واسعة
ويرى الحيدوسي أن الزيادة المعلنة، والتي تصل إلى حوالي 56 بالمئة بالنسبة للحاويات، ليست مجرد رقم تقني يهم شركات النقل والمستوردين فقط، بل هي معطى اقتصادي يمكن أن تكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد الجزائري.
وأوضح أن الجزائر تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء معتبر من احتياجات السوق الوطنية، سواء فيما يتعلق بالمواد الأولية أو المعدات الصناعية أو السلع الاستهلاكية أو التجهيزات المختلفة، كما أن الأسواق الآسيوية تمثل شريكا أساسيا بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين الجزائريين.
وأشار إلى أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا وبنغلاديش تعتبر من أهم المزودين للعديد من القطاعات داخل الجزائر، وبالتالي فإن أي زيادة في تكاليف النقل القادمة من هذه المناطق سيكون لها أثر مباشر على فاتورة الاستيراد.
وأضاف أن الحديث عن زيادة تتجاوز نصف قيمة الرسوم السابقة يعني أن سلسلة كاملة من التكاليف قد تشهد ارتفاعاً تدريجياً، بداية من عملية الشحن وصولاً إلى التخزين والتوزيع ثم البيع النهائي للمستهلك.
وأشار خبير الاقتصاد والتجارة الدولية إلى أن التأثير لن يكون موحدا على جميع الأنشطة الاقتصادية، لأن حجم الضرر يرتبط بطبيعة السلع ومدى اعتماد القطاعات على الواردات الخارجية.
وأوضح أن قطاع الأجهزة الإلكترونية والكهرومنزلية يأتي في مقدمة القطاعات التي قد تتأثر بهذه الزيادات، بالنظر إلى ارتباطه القوي بالموردين الآسيويين.
كما توقع أن يطال التأثير قطاع قطع الغيار الميكانيكية ومكونات الصناعات التحويلية والمواد الأولية المستخدمة في الإنتاج الصناعي.
وأضاف أن قطاع النسيج والألبسة قد يكون من بين المتضررين أيضا، خاصة وأن جزءا مهما من المواد المستعملة أو المنتجات النهائية يتم استيراده من الأسواق الآسيوية.
وأشار كذلك إلى أن بعض المنتجات الاستهلاكية اليومية قد تشهد ارتفاعات متفاوتة، خاصة تلك التي تكون تكاليف نقلها جزءاً مهماً من سعرها النهائي.
وأكد أن بعض الصناعات المحلية قد تجد نفسها أمام ضغوط إضافية بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية والتجهيزات المستوردة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على تكاليف الإنتاج.
المستوردون بين تقلص الأرباح ونقل الأعباء إلى المستهلك
وأكد الدكتور الحيدوسي أن المستوردين سيكونون أمام وضعية دقيقة خلال المرحلة المقبلة، لأن ارتفاع تكاليف النقل يفرض عليهم الاختيار بين احتمالين كلاهما صعب.
فمن جهة، يمكن للمستورد أن يتحمل جزءاً من هذه الزيادة حفاظاً على حصته في السوق، غير أن ذلك يؤدي إلى تقليص هامش الربح وربما التأثير على التوازنات المالية للمؤسسة.
ومن جهة أخرى، قد يلجأ البعض إلى تحويل جزء من هذه التكاليف نحو المستهلك النهائي عن طريق رفع الأسعار.
وأوضح أن هذا الخيار غالباً ما يحدث بشكل تدريجي وليس بصورة مباشرة، لأن المتعاملين الاقتصاديين يحاولون تجنب فقدان زبائنهم بشكل مفاجئ.
وأضاف أن الأسواق لا تتفاعل دائماً مع ارتفاعات الشحن بطريقة آلية، لأن هناك عوامل أخرى تتدخل مثل حجم المخزون الموجود لدى المستوردين، ومستوى المنافسة بين المتعاملين، وطبيعة المنتج نفسه.
وأوضح الحيدوسي أن الأثر الاقتصادي لهذه الزيادات يختلف حسب طبيعة المنتجات المستوردة.
وأشار إلى أن السلع منخفضة القيمة وذات الحجم الكبير ستكون أكثر تأثرا، لأن تكلفة النقل تمثل نسبة معتبرة من قيمتها النهائية.
أما السلع مرتفعة القيمة فقد يكون تأثير النقل عليها أقل نسبياً، لأن الجزء الأكبر من سعرها يرتبط بقيمتها الصناعية أو التكنولوجية وليس بتكاليف شحنها.
وضرب مثالاً ببعض المنتجات الإلكترونية عالية القيمة التي قد تستوعب جزءا من الزيادة دون تأثير كبير على أسعارها النهائية، مقابل منتجات أخرى منخفضة السعر تعتمد بشكل كبير على كلفة النقل.
وبخصوص طبيعة هذه الزيادات، يرى الحيدوسي أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الفترات السابقة، حيث لم تعد تكاليف النقل البحري تخضع فقط لقواعد العرض والطلب التقليدية.
وأوضح أن هناك عوامل جديدة أصبحت تتحكم في الأسعار، منها الأمن البحري العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتكاليف الطاقة، والتحولات التي تعرفها مراكز الإنتاج الدولية.
وأضاف أن الشركات الكبرى أصبحت تتجه نحو تنويع سلاسل التوريد وتقريب مراكز الإنتاج من الأسواق المستهلكة لتقليل المخاطر، وهو ما يغير تدريجياً خريطة التجارة العالمية.
وأشار إلى أن جزءا من هذه الزيادات قد يكون ظرفيا ويرتبط بتقلبات مؤقتة، لكن هناك مؤشرات واضحة على ظهور اتجاه هيكلي جديد يجعل تكاليف النقل أكثر تقلبا وأكثر ارتفاعا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.
وأكد الدكتور أحمد الحيدوسي أن هذه التطورات تعيد طرح قضية تقليص التبعية للواردات بشكل أكثر إلحاحا.
وأوضح أن بناء قاعدة إنتاج محلية قوية لم يعد خيارا مرتبطا فقط بدعم الصناعة الوطنية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.
وأشار إلى أن كل أزمة عالمية تؤكد أن الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الخارج تبقى أكثر عرضة للتأثر بالتقلبات الدولية، سواء تعلق الأمر بأسعار الطاقة أو النقل أو المواد الأولية.
وأضاف أن تعزيز الاستثمار المحلي وتشجيع المؤسسات المنتجة وتطوير الصناعات التحويلية يمكن أن يشكل جزءاً من الحل على المدى الطويل.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







